مراسلة الادارة
من هنا

شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
محمد انوار

ذكر السمك النمر
مشآرڪآتي : 849
عُمرِـے• : 43
نِقاطے• : 5153
تاريخ التسجيل : 10/02/2010
http://www.google.com

العلوم الانسانية

في الثلاثاء 12 أكتوبر - 13:57
تعاني العلوم الإنسانية من التباس في النظر لمنهجيتها وتطبيقات نظرياتها بشكل عام . فظهور المنظرين والعلماء الغربيين منذ القرن السابع عشر جعل العلوم الإنسانية تنهج في بحوثها طريقا تاثر كثيرا بالأحداث التي عرفتها الثورة الصناعية والظروف السياسية السائدة وقتئذ مما دعا لتفرها إلى شعب ماتزال تنقسم على نفسها حتى وقتنا الحاضر .
واكتسبت تلك العلوم خصائص مما بني على افتراضات – غير تجريبية – قبل الدخول في مرحلة استخدام وسائل وآليات استقتها من علوم أخرى لتفسير ظواهر إنسانية قد لا تجدي فيها الدراسات الغربية نفعا مالم تخضع لبحوث ودراسات أكثر دقة وشمولية.
ونظرا لكون موضوع العلوم الإنسانية هو الفرد ومحيطه والمجتمع وتفاعلاته مع الأفراد والجماعات فإن الحقائق التي تتوصل لها الدراسات العلمية بهذا المجال تخضع لأبعاد متباينة منها البعد الفلسفي والبعد الإيديولوجي وغيرهما، مما ينتج عنه تأثّر الباحثين بمنظومة بيئتهم التي منها ينطلقون ؛ كمرجع غير معبر عنه وإنما يدخل ذلك المرجع ليصبغ جوانب البحث دون استئذان. ومهما يدعي العلماء من موضوعية في دراساتهم ، تظل لديهم الرؤية الدونية للذات موضوع الدراسة ... وكل بحوث "دوركهايم" و "جون ديوي" و "بياجيه" و"فريديريك تايلور" و" جوستاف لوبون" وغيرهم؛ تفيد أن العالم يظل ذلك الجزء من بيئة أفرزت نظريات وباتت تعتقد في "قدسيتها" – إلى حد ما – ولاتقيس الأمور إلا اعتمادا على مرجعيتها. وقد ظهرت نزعة عصفت بادعائهم الموضوعية والحياد كشرط علمي للبحث.

أما معاهدنا وجامعاتنا فإنها تعتمد مناهج العلوم الإنسانية الغربية كمسلمات لا تقبل النقاش وتحشر عقول الطلاب في آلية الحشو الإجباري بما لايجدون له صورة في مجال التطبيق . وإن من أساتذتنا ما يتلو نصوص النظريات على الطلبة بصيغة توحي بتنـزيه المصدر عن النقد؛ ويرفض أي تصرف فيها مما قد يبديه الطالب في معالجته لسؤال حول الموضوع. وكأن ما جاء في محاضرة الأستاذ من حقائق، مطلق لايرقى إليه الشك .

ولئن كانت التقنيات الحديثة قد وفرت للباحثين وسائل أكثر دقة وسرعة فليس من اللائق استمرارنا في وضع الببغاوات نردد ما يملى علينا دون إعمال عقولنا ودون حشد الهمم لإقامة صرح لعلوم إنسانية تأخذ في اعتبارها مقومات مجتمعنا و تنقب في رصيده لانتقاء مايصلح منه كوسائل لفهم الظواهر العديدة وتفسيرها بما يؤهلنا لمسايرة الركب الحضاري – الظاهر – والتفاعل معه بما يضمن احترام هويتنا وخصوصيات ثقافتنا. وقد يقول قائل : سبقنا الغرب ولا سبيل لنا للحاق به ... فأدعو القائل لقراءة المستجدات بهذا المجال قراءة فاحصة، وسيعثر على سمات الأزمة بل الأزمات التي تعاني منها العلوم الإنسانية الغربية بكافة فروعها. وسبب تلك الأزمات – باعتراف المختصين – أن الأساسيات المكونة للنظرية عندهم لاتستند إلى مبادئ يقينية بل كان بناؤها منذ البداية يستجيب لظروف سياسية واقتصادية معينة ، واليوم ظهرت ظروف غير تلك الظروف وتبدل الناس غير الناس، فأعيد النظر في العديد من المفاهيم لتدارك ما علق بالحقائق السابقة من تحيز وأوهام كالتي حددها "فرانسيس بيكون" في أربعة أوهام واعتقد جازما أنها ملازمة الإنسان ويستحيل التخلص منها . وكذلك ما كتبه "جوستاف لوبون" في [سيكولوجية الجماعات]، وغيره كثير.

منقول
Mr.A-OUEDGHIRI

ذكر الجدي الحصان
مشآرڪآتي : 1497
عُمرِـے• : 26
نِقاطے• : 5303
تاريخ التسجيل : 27/12/2008
http://www.ffesj.forumaroc.net

رد: العلوم الانسانية

في الأربعاء 13 أكتوبر - 22:14
شكرا لك واصل

_________________________________________
الادارة العامة للمنتديات
avatar
cheleh_dp

ذكر الجدي الثعبان
مشآرڪآتي : 32
عُمرِـے• : 27
نِقاطے• : 3320
تاريخ التسجيل : 17/01/2009
http://www.islamway.com

رد: العلوم الانسانية

في الثلاثاء 30 نوفمبر - 23:02
انه لما يشعر القلب بالاطمئنان ان نرى العلوم الاجتماعية -من بينها القانون بالطبع- والتي تنضوي تحتى لواء العلوم الانسانية بدأت تشق طريقها نحو الاتصال من جديد ونتمنى ان تكون بداية النهاية لما عبر عنه بالانفصال داخل ما يسمى بالعلوم الانسانية .عندما اخط سطور هذه المداخلة يغمرني حنين بالعودة الى أصلي الذي ظننت اني قطعت الصلة معه.بولوج كلية الحقوق. حنين العلوم الانسانية وفلسفتها كما سطرها روادها --كلود ليفستراوس -فيلهام دلتاي/بياجي. اميل دوركاييم//دون ان نغفل من يعتز به تاريخ الفكر العربي ابن خلدون الذي من جهابذة الفكر العربي وممن ارسو القواعد الاولى لعلم الاجتماع.في مقدمته الجليلة.وأنه لتور مثالي ان يفهم القانون بعيدا عن العلوم الاخرى..لان ذلك الفهم كما يقول أستاذنا محمد شيلح"ينجر عن نظرة سطحية للامور .فعلينا ان نزيل ذلك الجدار البرليني الذي اقامته هذه النظرة وكرسناه نحن. جميعا يقول شيشرون"اذا اردت ان تعرف مؤسسة ما فعليك ان تعود الى اصولها"وششرون من كبار فقهاء القانون الروماني الذي تأثر به ق.ل.ع.م.والفخر يزيد في نفوسنا كطلبة للحقوق نجعل الاغيار ينظرون الينا نظرة رضى بعين قريرة.كطلبة لم يقبعوا في غثاثة ما يطلب منهم ولكن طلب يضربون في أغوار الفكر .مسترشدين بما يحلو لي ان أسميه ابن رشد مغربنا -وهو الاستاذ محمد شيلح" . فهذه دعوة لنقذ الفكر كما دعى اليه هيجل وكانط وغيرهم.
.فالعلوم الانسانية تتقاطع في شيء واحد يتجلى في العقل الانساني المنتج للهذه العلوم حتى نسبة اليه.اذا ثبت هذا التقديم. عدنا وقلنا ما المقصود بالعلوم الانسانية؟وهل يمكن بناء معرفة علمية موضوعية حول الانساناي موضوعية انطلوجية؟على غرار العلوم الحقة التي استطاعت ان تتجاوز المشكل وتجسد موضوعيتها؟بمعنى اخر هل العلوم الانسانية محكومة بالذاتية ام بالموضوعية؟
يقول كلود ليفستراوس "يبدو ان الوعي بمثابة العدو الخفي للعلوم الانساني"وهو ينفي عنها الموضوعية لان الانسان شخص واعي لايمكنه ان يكون محايدا .عن موضوع بحثه .فمثلا الباحث الاجتماعي لايستطيع ان يكون منعزلا عن موضوع بحثه.وبالتالي موضوع بحثه يغلب فيه معيار الذاتية .اذ يمكنه ان يعطي نتائج بحث مغلوطة لانه عنصر من تلك الجماعة.وهنا يطرح مشكل تداخل الذات والموضوع .فالباحث يكون دارسا وموضوع للدرس في نفس الان مما يرفع عن البحث منطق الموضوعية.خلاف الباحث في العلوم الحق يكون منفصلا عن موضوع بحثه وهو ما جعل العلوم الحقة .تفرض الموضوعية داخل الحقل الابستيمولوجي.
أما رينيه بوفريس فيؤكد أن العلوم الإنسانية بالرغم من نشأتها في القرن التاسع عشر،في سباق ابيستمولوجي مخصوص يطبعه الطموح في تطبيق النموذج الفيزيائي التجريبي على دراسة الإنسان. فإنها لم تستطع مع ذلك أن تفي بشرط الموضوعية لأسباب مبدئية تتصل بالظواهر المبحوثة ذاتها.
أما بياجي فيقول( تخلق العلاقة "ذات-موضوع" في العلوم الإنسانية وضعا معقدا ׃فالإنسان هو الدارس،وهو أيضا موضوع الدراسة، وينتج عن هذا الوضع المتداخل صعوبة تحقيق الموضوعية التي تعتبر أساس العلوم الحقة).
يوضح بستيان أن الممارس في مجال العلوم الاجتماعية يعيش مفارقة كبرى ׃فهو جزء من الجماعة التي يدرسها، و هو مطالب بالتموضع خارج المجتمع و أن يظل بعيدا عما يرتبط به من قيم و تصورات.
اما دوركهايم فيرى أن الظواهر الاجتماعية يجب أن تدرس كأشياء ،و هو بذلك يدعو إلى محاكاة النموذج العلمي الموجود في ميدان العلوم التجريبية .ومن هنا قوله "يجب أن يضع عالم الاجتماع نفسه في وضع فكري شبيه بالوضع الذي يكون عليه الفيزيائيون و الكيميائيون و الفيزيولوجيون حينما ينخرطون في استكشاف منطقة مجهولة عن ميدانهم العلمي.
على الرغم من تنازع الاقوال وتضاربها في هذا العلم القديم الحديث..والذي يقدم العلوم الحقة في وجوده الذي يرتبط بوجود الانسان .الا انه لم يلتفت اليه الا مؤخرا في القرن 19م اي بعد ما وصلت العلوم الحقة مكانة مرموقة .اذا ثبت هذا يجب القول بان العلوم الانسانية فرضت نفسها داخل الحقل الابستيمولوجي وحققت موضوعيتها /المنهج الفينومينولوجي في علم النفس/في علم الاجتماع/الموضوعية في القياس الاجتماعي ولمن اراد التوسع ان يعود لكتاب الموضوعية في العلوم الانسانيةل "د صلاح قنصوه...........
واعتذر على مافي الموضوع من تقصير .لانه مضى عليه ردح من الزمن وهو يقبع في غياهب ذاكرتي .مما لم يجعلني اتملك ناصية هذه المواضيع التي كنا على وشك قطع الصلة بها لولا المنتدى......................
Mr.A-OUEDGHIRI

ذكر الجدي الحصان
مشآرڪآتي : 1497
عُمرِـے• : 26
نِقاطے• : 5303
تاريخ التسجيل : 27/12/2008
http://www.ffesj.forumaroc.net

رد: العلوم الانسانية

في الإثنين 6 ديسمبر - 22:12
cheleh_dp
----------------
شكرا لك اخي الكريم واصل

_________________________________________
الادارة العامة للمنتديات
chadli

ذكر الجدي الثعبان
مشآرڪآتي : 1
عُمرِـے• : 39
نِقاطے• : 2626
تاريخ التسجيل : 05/10/2010

رد: العلوم الانسانية

في السبت 19 يناير - 8:28
العلوم الإنسانية
مــــدخـــل
حينما نتحدث عن العلوم الإنسانية، يتبادر إلى أذهاننا مختلف العلوم التي ندرس الإنسان. إذن ميدان هذه العلوم ليس المادة الجامدة (معادن – طاقة – ضوء ...) ولا يتعلق بالمادة العضوية (عمل الغدد، المورثات ...) بل يتعلق الأمر هنا بما هو أعقد ألا وهي الظواهر الإنسانية التي تتميز بخصائص مخالفة للظواهر الطبيعية الأمر الذي يطرح الكثير من الصعوبات والتي تتعلق بالمناهج التي ينبغي تباعها من أجل فهم الظاهرة الإنسانية سواء كانت اقتصادية أو نفسية أو اجتماعية أو تاريخية أو لغوية أو انثروبولوجية...
وما يمكن أن نؤكد عليه في البداية هو تعدد التيارات داخل العلوم الإنسانية التي تعتبر حديثة العهد (النصف الثاني في القرن 19) بالمقارنة مع العلوم الأخرى منها ما يدعي إمكان تطبيق المنهج التجريبي وهناك من يرفض هذا المسار بدعوى أن الظاهرة الإنسانية لها من الخصوصية ما يجعلها مختلفة عن باقي الموضوعات الأخرى ولذلك يستحيل استلهام مناهج العلوم الحقة .. بينما يذهب اتجاه آخر إلى ضرورة البحث عن نموذج خاص وملائم للظاهرة الإنسانية التي توصف بالتعقيد. فهل العلوم الإنسانية مطالبة بإتباع مناهج العلوم الحقيقة لبناء علميتها؟ وهل هي قادرة على إنتاج معرفة موضوعية؟ وهل بإمكانها تفسير وفهم الظواهر التي تدرسها؟ وما نموذج العلمية المقترح لملائمة خصوصية الظاهرة الإنسانية؟
-Iالمحور الأول: موضعة الظاهرة الإنسانية (موضوع العلوم الإنسانية)
يشير مصطلح "العلوم الإنسانية" إلى إمكانية دراسة الإنسان سواء على مستوى سيكولوجي أو سوسيولوجي أو تاريخي... دراسة عملية، وأنه بالإمكان التوصل إلى حقائق وقوانين موضوعية كما هو الحال في العلوم الطبيعية، ومعنى ذلك أن الإنسان يتحول إلى موضوع طبيعي يشبه باقي الموضوعات الطبيعية كما يعني ذلك أن الظاهرة الإنسانية قابلة للتجريب والقياس والترييض .
فهل من الممكن أن يدرس بنفس الطريقة التي تدرس من خلالها الموضوعات الطبيعية الأخرى؟ بمعنى آخر هل يتحول الإنسان داخل العلوم الإنسانية إلى مجرد موضوع قابل للدراسة؟ وهل من وسيلة للخروج من الوضع المعقد داخل العلوم الإنسانية حيث الإنسان هو الدارس وموضوع الدراسة في نفس الان؟.
يمكن أن نعثر على جواب لهذه الأسئلة داخل " المدرسة الوضعية الفرنسية " مع أوجست كانت وإميل دوركايم والتي تدعوا إلى معاملة الظاهرة الاجتماعية كموضوع، حيث أسس الأول الفيزياء الاجتماعية التي ستعرف فيما بعد بعلم الاجتماع حيث أكد على ضرورة دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة موضوعية في حين اعتبر الثاني الظواهر الاجتماعية أشياء ومن ثم طالب بضرورة التخلص من القيم والأحكام المسبقة التي تؤطر فكر العالم أو الباحث الاجتماعي ومن تم وجب اعتبار الحقائق التي يتوصل إلى العلماء في ميدان الظواهر الانسانية تستحق أن تسمى علوما، خاصة إذا التزم العالم الحياد "الانفصال عن كل ما هو ذاتي سواء كان أحكاما مسبقة، أو منافع شخصية ...."
وعلى العكس من النزعة الوضعية نجد من يستعمل مصطلحا آخر يعلن عن تصور مختلف للظواهر الإنسانية، باعتبارها غير قابلة للدارسة العلمية المعروفة في العلوم الحقة، وكمثال عل ذلك "المدرسة الألمانية" التي تستعمل مصطلح "العلوم الروحية" حيث يميز "وليام دلتاي" w.dilthey (1833-1911) فيلسوف ألماني ومعه اتباع المدرسة الفينومينولوجية مثل ماكس سلتر بين المادة والروح ففي المادة كموضوع للعلوم الطبيعية يمكن تطبيق منهج يقوم على الملاحظة والتجربة. ومن تم يمكن الوصول إلى قوانين دقيقة لأن المادة تخضع إلى حتمية طبيعية ومن تم تكون أحكامن اذات صبغة موضوعية بينما الظواهر الانسانية كفعالية روحية تتميز عن المادة بتواجد الوعي. وتدخل الإرادة، الشيء الذي يجعل من الصعب معا لجهتها باعتبارها موضوعا شبيها بالموضوعات الطبيعية الاخرى.
كما يمكن أن نتوقف هنا عند الانتقادات التي انصبت بدورها حول إثارة الإشكال المتعلق بتداخل الذات والموضوع في العلوم الإنسانية، حيث أن الذات الدارسة هي نفسها موضوع الدراسة، الأمر الذي يجعل كل موضوعة للظاهرة الإنسانية أمرا صعبا، إن لم يكن مستحيلا، وفي هذا الاتجاه ستنكشف لنا طبيعة هذا التداخل وما يطرحه من صعوبات ابستيمولوجية، وهو ما ناقشه عالم النفس السويسري جون بياجي Jean-Piaget (1896-1980) إذ اعتبر أن وضعية "العلوم الإنسانية" هي أكثر تعقيدا من العلوم الحقة لأنها تشهد تداخلا بين الذات والموضوع الأمر الذي يقف حاجزا أمام تحقق شرط الموضوعية أو بالأحرى يجعلها صعبة التحقيق. وذلك لأن الذات العارفة أو الملاحِظة تعد جزءا من الظاهرة المدروسة التي يجب أن تدرس من الخارج، وثانيا لأن الملاحظ أو العالم قد يميل إلى الاعتقاد في معرفته الحدسية بالوقائع لانخراطه فيها. "مما يجعل الموضوعية وشروطها الأولية المتمثلة في إزاحة تمركز الذات حول ذاتها تعترضها صعوبات" كما يقول بياجي. لأن العالم هنا لا يكون معزولا عن موقف فلسفي أو اديولوجي، كما هو الأمر في الابحاث الرياضية والفيزيائية وحتى البيولوجية.
وفي نفس السياق يسير عالم الاجتماع الفرنسي فرانسوا باستيان François Bastien ليؤكد على وجود مفارقة داخل العلوم الإنسانية وتتمثل في أن الباحث الاجتماعي لا يستطيع الانفصال كليا عن موضوع دراسته "مجتمعه" في اللحظة التي نعتبر فيها أن هذا الانفصال هو شرط ومبدأ كل معرفة علمية، بل الباحث لا يستطيع الانعزال عن الواقع الاجتماعي حتى ولو أراد ذلك، بل هو مطالب بالنفاذ إلى داخل التجربة الجماعية من أجل فهم نمط اشتغالها، وهذا ما لا يمكن معرفته دون مشاركة وانخراط في هذه التجارب الجماعية، وهنا تتمثل المفارقة الكبرى داخل هذه العلوم. فإذا كانت مجهودات مؤسسي العلوم الاجتماعية قد قامت على مبدأ التباعد بين الذات والموضوع كما هو الأمر مع "أوغست كونت، ودوركايم"، فإننا نجد نقيض ذلك داخل دعوة "نوبرت إلياس" (عالم اجتماع هولندي 1897-1990) حينما أعلن القضية التالية: "لا نحتاج لكي نفهم جزئية من جزئيات الذرة أن نحس بأنفسنا كما لو كنا ذرة من الذرات، لكن يكون من الضروري لنا النفاذ إلى داخل التجربة الجماعية والفردية التي تكون للأفراد بجماعتهم وبالجماعات المقاربة، لفهم نمط اشتغال الجماعات البشرية وهو ما لا نستطيع معرفته من دون مشاركة وانخراط فعالان في هذه التجارب"
II- المحور الثاني: التفسير والفهم في العلوم الإنسانية (مناهج العلوم الإنسانية)
يدل التفسير على الفعل الذي يسعى بواسطته الفكر إلى ضبط قواعد وقوانين اشتغال ظاهرة معينة، لذلك يمثل النواة الصلبة للعقلنة الطبيعية، إنه العملية العقلية التي تسمح باستنتاج اللاحق من السابق أي ارجاع الظاهر إلى القوانين باسم الضرورة ( لا شيء يحدث دون سبب) التي لا تسمح بالتفسير فقط بل تنفتح على امكانية التنبؤ، فحين نفسر سقوط المطر بارجاعه إلى أسباب محددة نستطيع أن نتوقع سقوطه إذا توفرت أسبابه فهل يمكن القول أن الظاهرة الإنسانية قابلة للتفسير بهذا المعنى؟
إن النموذج العلمي في التفسير الذي أثار اهتمام دارسي الظواهر الانسانية أكثر من غيره هو "الفيزياء" و "الرياضيات" لما حققته من تطور هام ودقة وضبط أكثر ومن أجل تحقيق الدفة المنشودة دعى مؤسس الوضعية أوجست كونت إلى اعتبار الظواهر الاجتماعية ظواهر وضعية قابلة للملاحظة وممكن أن نصل فيها إلى تحديد قوانين دقيقة وبالتالي قابلة للتفسير، وذلك أن لغة العلم في الطبيعة أو الظواهر الانسانية لغة واحدة، ومن أجل ذلك طالب دور كايم (عالم اجتماع فرنسي 1858-1917) معاملة الظاهرة الاجتماعية كشيء ودعى إلى ضرورة التخلي عن الأحكام المسبقة، كذلك الأمر في علم النفس إذا اعتبرت المدرسة السلوكية أن السلوك الإنساني قابل للملاحظة والدراسات التجريبية فهل نستطيع أن نصوغ قوانين يمكن الاتفاق عليها كما يتفق علماء الطبيعة في دراستهم لموضوعاتهم؟
لا شك أن الظواهر الانسانية تطرح صعوبات تجعل من الصعب تحقيق الشرط السابق في العلوم الحقة. ولعل ذلك يرجع إلى خصوصية الظاهرة الإنسانية. الممكن أن نحددها في الآتي:
 الظاهرة الأنسانية ظاهرة معقدة: فهي ليست بسيطة (مثلا تعدد العوامل التي أدت إلى الحرب العالمية الأولى أو الثانية، أو تداخل العوامل الاجتماعية والاقتصادية.... ) بحيث لا يمكن فصل عامل عن آخر، وهو ما يقف حاجزا أمام تحديد الأسباب التي تتحكم في ظاهرة إنسانية صعبة.
 الظاهرة الإنسانية ظاهرة متغيرة باستمرار: ما يميز الظاهرة الإنسانية هو حركيتها وتحولها باختلاف الزمان والمكان فحدوث الثورة الاجتماعية في مجتمع من المجتمعات لا يتم بنفس الطريقة في هذا المجتمع أو ذاك، على حد تعبير ابن خلدون "لايمكن قياس العمران البشري بعضها على بعض"
 الظاهرة الإنسانية ظاهرة نسبية: ليس للظاهرة الإنسانية قيمة مطلقة بل لكل مجتمع ظروفه التي تميزه عن غيره من المجتمعات.
 الظاهرة الإنسانية ظاهرة واعية: إذا كانت الظاهرة الطبيعية تتميز بكونها مادية و لها وجود موضوعي خارج الذات الملاحظة، وبالتالي يمكن معاملتها كشيء، فإن الأمر ليس كذلك داخل العلوم الإنسانية لأن الظاهرة هنا ذات واعية إذ يتدخل الوعي في شكل "نية أو "غاية" أو إرادة ليؤثر فيها، بمعنى أن الظاهرة هنا غير مفصولة عن الذات الدارسة أو الباحثة.
إن هذه الخصائص المميزة للظاهرة الانسانية هي ما جعلت بعض المفكرين يحتفظون على إمكانية تطبيق منهج التفسير في العلوم الإنسانية ويمكن أن ندلل على ذلك بموقف الانتروبولوجي الفرنسي كلود ليفي سراوس C.Livi Stranss الذي تحدث عن الوضعية الحرجة للعلوم الانسانية لأنها لا تستطيع أن تفسر ظواهرها تفسيرا نهائيا لذلك فتنبؤاتها غالبا ما تكون خاطئة. لكن ليس معنى هذاأن العلوم الانسانية لا تحقق معرفة بالظاهرة الانسانية بل نسجل قصور التفسير داخلها، لذلك هي مطالبة بأن تنفتح على منهج الفهم الذي يساير خصوصية موضوعها، والذي يعني تجاوز إدراك القوانين إلى إضفاء المعاني والدلالات على الظاهرة الملاحظة. لذلك أصر ستراوس" على أن الطريق الصحيح لهذه العلوم لا يسير في اتجاه التفسير والتنبؤ بل ينبغي عليه أن يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات ومميزات الظاهرة الإنسانية إذ يعلن أن "...العلوم الإنسانية تجد نفسها في وسط الطريق بين التفسير والتنبؤ كما لو كانت عاجزة عن السير في اتجاه التفسير أو في اتجاه التنبؤ"
وتميز الظاهرة الانسانية عن باقي الموضوعات الطبيعية الأخرى جعل الفيلسوف الألماني وليام دلتايW.Dilthey يرفض هيمنة نموذج العلوم الحقة على العلوم الإنسانية، ويظهر هذا الرفض في تسميتها بالعلوم الروحية وهي فكرة سبقت الإشارة إليها. وإذا كانت هذه المدرسة الألمانية ترى صعوبة تطبيق المناهج الوضعية على الظواهر الإنسانية فإنها تقر بأنها ظواهر وإن لم تكن قابلة للتفسير فينبغي أن تنفتح على الفهم، يقول ديلتاي "إن للعلوم الروحية الحق في أن تبنين منهجها بنفسها انطلاقا من موضوعها" لأن الروح العلمية الحقة في نظره لا تعني استلهام مناهج العلوم الحقة بل البحث عن منهج خاص بموضوع العلوم الإنسانية الذي يتميز بكونه روح وليس مادة "لهذا نفسر الطبيعة ونفهم الحياة النفسية" لهذا فالمناهج التي ندرس بها الحياة النفسية (علم النفس ) والحياة الاجتماعية (علم الاجتماع ) والتاريخ ... تختلف عن المناهج التي تقود إلى معرفة الطبيعة، لأن المناهج الموضوعية ( دراسة الموضوع من الخارج ) التي تعتمد على المعايير الخارجية تعجز عن النفاذ إلى المعنى العميق لتجربة كلية يتداخل فيها النفسي والاجتماعي وتتأطر ضمن التاريخ، لذلك يبقى الفهم باعتباره محاولة للنفاذ داخل الحياة الدالة شكلا من الأشكال الملائمة للدراسة الظاهرة الإنسانية التي تخص إنسانا لا يعطى إلا بشكل كلي.
III- المحور الثالث: علمية العلوم الإنسانية:
إذا كانت الظواهر الطبيعية ( الفيزيائية والفلكية... )عرفت تفسيرها العلمي منذ القرن 16م و17م، والكيمياء مع أواخر القرن 18م فإن الظواهر الإنسانية سيكولوجية كانت أو سوسيولوجية أو تاريخية أو اقتصادية أو لغوية ... لم تبدأ مرحلتها العلمية إلا مع القرن 19م وبداية القرن العشرين فهل تفترض علمية العلوم الانسانية ضرورة تبني المنهج التجريبي ؟ وماهي حدود هذا التوجه ؟
كما بينا من قبل طرحت اشكالية المنهج في العلوم الإنسانية، حيث اعترضت الدارسين صعوبات منهجية، نظرا لما تتميز به الظاهرة الإنسانية من خصائص، ونظرا لتأثير ذات الدارس فيما يدرسه أي صعوبة التخلص من المبادئ والقيم والتصورات الخاصة بالباحث على عكس ماهو عليه الأمر في العلو م الطبيعية، الشيء الذي يفسر لنا منذ بداية البحث العلمي في الظواهر الإنسانية مع العقود الاولى من القرن 19 ظهور تيارات مختلفة منها ما يعتقد بإمكان تطبيق المنهج التجريبي في مجال الظواهر الإنسانية وكنمودج لذلك التيار الوضعي positivisme وقد تزعمه في مجال الدراسات الاجتماعية "اغوست كونت" و"إميل دوركايم" إن مثل هذا التوجه وجد في المنهج التجريبي نموذجا يحقق عليه العلوم الإنسانية.
لا يشكل هذا التوجه الموقف الوحيد من نمودج العلمية الذي ينبغي أن تتبعه العلوم الإنسانية، ويمثل موقف "فيليب لا بورت طولرا" (انثروبولوجي معاصر ) و"جون بيروارنبيي" موقفا متميزا يعتبران من خلاله أن ما يسمى بتداخل الذات والموضوع داخل العلوم الإنسانية لا يعد أمرا سلبيا، مادامت الفيزياء المعاصرة تشهد اليوم تدخل الذات في موضوع دراستها، فمن الأكيد أن المؤرخ وعالم الاجتماع وعالم النفس يعدون موضوعهم موضوعا مختلفا، مما يجعل تطبيق منهج العلوم الحقة أمرا صعبا، بل لا ينبغي اعتباره النموذج الوحيد لتحقيق العلمية مما يستدعي تكييف المنهج مع خصوصية الظاهرة الإنسانية التي توصف بالتعقيد أكثر من أي موضوع آخر.
وإذا كان شرط الموضوعية (دارسة الظاهرة الإنسانية كموضوع مستقل عن الذات). قد اعتبر مبدأ أساسيا لعلمية العلوم الإنسانية، فإننا مع الفيلسوف "ميرلو بونتي" أمام اعتراض واضح على نموذجية العلوم التجريبية وبالتالي موضعة الظاهرة الإنسانية هذه الآخيرة التي تعمل على تجزئ الإنسان ونسيان تجربته الذاتية التي تكون أساس وجوده أو ما يسمى بالعالم المعيش، لأن المعرفة العلمية الوضعية تجاهلت أهمية تجربة الذات في العالم، حين أرادت أن تجعل منها موضوعا قابلا للدراسة بنفس مناهج العلوم الحقة، ذلك أن التجربة المعيشية هي التي تشكل أساس معرفتنا بذواتنا وبالعالم: "كل ما أعرفه عن العالم، ولو كان مصدره العلم أعرفه انطلاقا من وجهة نظر خاصة بي، أو أعرفه من خلال تجربتي في العالم التي بدونها لم تعني لي رموزا لعلم أي شيء، فعالم العلم يبنى بكامله على العالم المعيشي" يؤكد على ذلك ميرلوبونتي M.Merleau-Ponty وعالم المعيش من طرف الذات هو مجموعة من الحالات والدلالات والقصديات أي هو تجربة الذات في العالم التي لا يمكن أن تعوضها أية وجهة نظر علمية التي تعمل على تحويلي إلى موضوع، فحقيقة الذات لا توجد البيولوجيا أو علم النفس أو علم الاجتماع بل توجد في تجربة الذات الخالصة " إن الرجوع إلى الأشياء ذاتها هو الرجوع إلى العالم المعيش قبل أن يكون موضوع معرفة" وهي نفس الفكرة التي نعثر عليها داخل فكر "هوسرل" حينما اعتبر أن ازدهار العلوم الوضعية قد تجاهل الأسئلة العميقة للإنسان، لأنها أرادت أن تجعل منه موضوعا كباقي الموضوعات الطبيعية، متناسية خصوصياته باعتباره كائنا يمتلك من الوعي و الحرية ما يجعله مختلفا عنها.
إذا كانت المعرفة العلمية قد مكنت الإنسان من التعرف على أبعاده النفسية والإجتماعية والتاريخية، محاولة بناء "معرفة" بالإنسان بعيدة عن الأوهام خصوصا مع تبني نموذج العلوم التجريبية، فإنها حولته إلى مجرد موضوع قابل للقياس والتكميم و التنبؤ، كأي موضوع طبيعي آخر. فهل نعتبر هذه النتيجة مبرر لرفض مناهج العلم التجريبي؟.

نموذج علم الاجتماع
تقديم
يرجع الفضل إلى الفيلسوف الفرنسي أوجيست كونت A.conte في نحث المصطلح سوسيولوجيا، والذي دعا إلى دراسة الظواهر الاجتماعية بأساليب وضعية علمية من أجل تحقيق استقلال هذه الظواهر عن الفلسفة كما حصل في ميدان الفلك والفيزياء مع عصر النهضة.
وقد حصل بعد ذلك تطور في الدراسات السوسيولوجية بظهور مدارس عديدة، مثل، المدرسة الماركسية وامتداداتها، ثم تطور المدرسة الوضعية مع دوركايم.... ونلاحظ أننا نجد تباينا واضحا بين هذه الاتجاهات، ويعكس هذا التباين اختلافا في الموقف من المجتمع ومن كيفية دراسته. وسنقدم فيما سيأتي صورة عامة عن هذه الإشكالية المدروسة سواء على مستوى بناء الموضوع، أو على مستوى تحديد المنهج، أو على مستوى المكانة التي تحتلها النظرية الاجتماعية.
I – موضوع علم الاجتماع
إشكالية المحور: يتأسس العلم على تحديد موضوعه بطريقة منهجية دقيقة، فكيف يتم تحديد موضوع علم الاجتماع؟ وما هي الصعوبات التي تعترض هذا التحديد؟
موضوع علم الاجتماع هو الظاهرة الاجتماعية أي دراسة الإنسان ككائن اجتماعي في اعتباره عضوا في مؤسسة اجتماعية ما: كالأسرة، أو المدرسة أو الحزب... كما يهتم علم الاجتماع بدراسة المؤسسات القانونية والأخلاقية، والمعتقدات والطقوس الدينية وغيرها من الظواهر كالنشاط الاقتصادي أو المظاهر المنحرفة في السلوك الاجتماعي كالطلاق والانتحار والاجرام كما يهتم السوسيولوجيون بحركات التغيير الاجتماعي كالثورات والانقلابات وما يطرأ من تغيير على المتجمع، وهو ما أدى إلى ظهور علوم فرعية في إطار السوسيولوجية مثل سوسيولوجية المعرفة، وعلم الاجتماع الديني، وعلم الاجتماع الحضري،.. وقد ظهرت مدارس اجتماعية مختلفة منذ مطلع القرن التاسع عشر إلى الآن تحاول دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية، ويمكن إرجاع اختلاف المدارس الاجتماعية إلى عوامل أهمها: تباين تصور كل مدرسة لطبيعة الظاهرة الإنسانية.
ومنها الظواهر الاجتماعية فإذا أخذنا المدرسة الوضعية الفرنسية سواء مع سان سيمون أو أوكست كونت أو دوركايم نجدها ترى أن الدراسة العلمية للظواهر الاجتماعية تتطلب معاملتها كأشياء أي كموضوعات لها وجودها الخارجي المستقل عن ذواتنا مثل ما هو الأمر في العلوم الطبيعية سواء بسواء. وسنتوقف عند تصور إميل دوركاييم في تحديده لموضوع علم الاجتماع.
*تصور إميل دوركايم: الواقعة الاجتماعية هي موضوع علم الاجتماع:
يطرح درو كايم سؤالا مهما ما هي الوقائع التي تسمى اجتماعية: "فليس كل فعل يقوم به الفرد يدخل ضمن الدراسات السوسيولوجية. فالشرب والنوم والأكل هي أفعال إنسانية فإذا اعتبرناها اجتماعية فإننا سنحدث تداخلا بين موضوع علم الاجتماع والبيولوجية أو غيرها من العلوم، لذلك جاء دوركايم في تحديد خصائص الظواهر الاجتماعية والتي تختلف عن تلك التي تدرسها باقي العلوم الاخرى.
*الواقعة الاجتماعية: هي كل فعل إنساني يتحدد داخل القانون والعادات الاجتماعية لذلك فهي تتمتع بوجود موضوعي "لأنني لست صانعها بل سبق وتلقيتها من التربية يقول دوركايم: "معنى ذلك أن كل فعل يقوم به الفرد ويلتزم فيه بواجب معين (قانون أخلاقي أو عادات) هذه العادات والقوانين لا يختارها الفرد بل هي سابقة على وجوده لأنه يكتسبها من المجتمع الذي نشأ فيه لذلك فهي توجد خارجا عنه وتمارس إكراها عليه (ضرورة احترامها).
إذن الواقعة الاجتماعية حسب هذا التصور هي التي تتميز بإكراهها الخارجي الذي تمارسه على الأفراد ويتجلى ذلك العقوبات التي تواجه كل من لا يحترمها أي الذي يخترقها ويتجاوزها. يؤكد دوركايم ذلك حين يقول: "الواقعة الاجتماعية هي كل طريقة في الفعل ثابتة أولا، وقادرة على ممارسة إكراه خارجي على الفرد ثانيا، وتكون عامة في المجتمع ومستقلة عن مظاهرها الفردية..".
وقد حصل رد فعل من طرف بعض السوسيولوجيين على المدرسة الوضعية كما نجده عند ماكس فيبر Max weber الذي يرفض كل محاولة لإقامة تطابق بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الانسانية. وبالتالي استحالة دراستها كأشياء ومن الخارج لأن عالم الاجتماع عليه أن يفهم الأفعال والمقاصد الذاتية للفاعلين.
II ـ المنهج في علم الإجتماع
إذا كان الموضوع في علم الاجتماع يطرح اشكالا بين من يدعي إمكانية دراسته كشيء كما أكد ذلك دوركايم وبين من ينفي تلك الإمكانية لأن الظاهرة الإنسانية غير مستقلة عن ذات التي تقوم بالفعل الاجتماعي. فإن الأمر سينعكس على المنهج أيضا. فهل الظاهرة الإنسانية قابلة للدراسة بنفس مناهج العلوم الحقة؟ هل معنى ذلك أن الظاهرة الانسانية قابلة للتفسير؟ أم لا بد من الانفتاح على منهج الفهم لنساير خصوصية الظاهرة الانسانية؟
1 - التفسير في علم الاجتماع
سنتوقف هنا عند تصور – المدرسة الوضعية الفرنسية التي يذهب رائدها سان سيمون إلى: "أن الفيزيولوجيا العامة التي يمثل علم الانسان (ويقصد علم الاجتماع أو بتعبيره الفيزيولوجيا الاجتماعية) الجزء الرئيسي منها: سوف تعالج بالمنهج المتبع في العلوم الطبيعية الاخرى..." ونفس الشيء عند أوجيست كونت الذي يرفض منهج الاستبطان والتأمل الذاتي للظواهر الاجتماعية ليؤكد "أن الملاحظة أو استخدام الحواس الفيزيائية يمكن تنفيذها بنجاح إذا وجهت عن طريق النظرية ... مع إمكانية عقد مقارنات..."
إن الفكرة الأساسية عند كانت في هذا السياق هي أن الظواهر الاجتماعية تخضع لحتمية صارمة "قابلة للتفسير بإرجاعها لأسباب محددة" والفكرة الاخرى هي أن المنهج الوضعي السائد في العلوم التجريبية المبني على الملاحظة والتجريب واستخلاص القوانين هو الذي ينبغي أن يسود في علم الاجتماع.
وتلح المدرسة مع دوركايم – لتحقيق الوضوعية – أن على العالم الاجتماعي أن يتخلى عن تصوراته المسبقة عند ملاحظته للظواهر الاجتماعية لأن عليه أن يحددها في "ضوء خواصها الخارجية والعامة" وأن يعتبر الظواهر الاجتماعية مستقلة عن مظاهرها الفردية لأنها تتمتع بنوع من الاستقرار ولها طابع القهر والإلزام فعلم الاجتماع في نظره كعلم موضوعي عليه أن يطبق منهج العلوم الاخرى على موضوعه "الواقع الاجتماعي الذي ينبغي أن يكون قابل للملاحظة والتفسير إذ يجب اعتبار الوقائع الاجتماعية اشياء ويقصد بذلك إمكانية دراستها من الخارج دون التأثر بالأفكار المسبقة فمنهج التفسير يعني هنا البحث عن السبب الحقيقي للظاهرة وهي اسباب موجودة في الوسط الاجتماعي، لأن بنية المجتمع هي سبب الظواهر التي يدرسها علم الاجتماع.
2- منهج الفهم في علم الاجتماع
يرفض ماكس فيبر اعتبار الظاهرة الاجتماعية كالظاهرة الطبيعية لذلك كان من اللازم أن ينتقد توجه الفلسفة الوضعية التي نادت بضرورة تطبيق مناهج العلوم التجريبية على موضوع علم الاجتماع، ليقترح بالمقابل ضرورة تقصي المعنى الذي يعطيه الفاعل لسلوكه، لأن دراسة الظاهرة الاجتماعية توجب استخلاص معنى كل ظاهرة وربطها بالقيم والمقاصد التي يمنحها الفاعل لفعله. لأن الفهم أي الانفتاح على المعاني الذاتية للسلوكات هو الذي يؤدي إلى معرفة البنية المنطقية لهذه الأنماط في السلوك.
يهتم فيبر بالسوسيولوجيا كعلم يدرس السلوكات الاجتماعية ليؤكد: على المعنى المعيشي أو المعنى الذاتي ويطمح إلى فهم كيف استطاع الانسان أن يعيش في مجتمعات مختلفة بمعتقدات مختلفة.
III - النظرية الاجتماعية
تقديم:
يرتبط الموضوع والمنهج في علم الاجتماع في نظرية ذات مبادئ عامة وهي تقوم على آليات منهجية خاصة تمكنها من تحليل وتفسير وفهم الظاهرة الانسانية "الواقعة الاجتماعية" هذه النظريات تعكس في مبادئها الحلم الذي راود علماء الاجتماع بتطبيق الطرق الوضعية في الميدان الانساني ويمكن أن نميز بين اربعة نماذج – في العلوم الطبيعية – حاول العلماء الاقتداء بها وهي الفيزيولوجيا والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا.
إشكالية المحور
إذا كانت المناهج في العلوم الطبيعية تختلف من علم لأخر فإن الأمر سينعكس على العلوم الانسانية بما في ذلك علم الاجتماع فمن السوسيولوجيين من تأثر بمنهج الفيزيولوجية وهناك من تأثر بغيره. الأمر الذي أنتج اتجاهات مختلفة، وذلك باختلافات المرجعيات لكل توجه. فما هي أهم النظريات في علم الاجتماع؟ وما هي خصائصها؟
1 - المدرسة الوظيفية
لقد شكلت الفيزيولوجيا والبيولوجيا النموذج الأمثل في الدراسة السوسيولوجية سواء في تصورها للظاهرة الانسانية أو المنهج المتبع في هذه الدراسة وهو ما نلاحظه عند رواد المدرسة الوضعية الفرنسية فنجد سان سيمون يطلق على العلم الذي يدرس الظواهر الاجتماعية اسم" الفيزيولوجيا الاجتماعية" التي عليها أن" تعنى بدراسة وظائفية أو وظائف المجتمع بنفس الطريقة التي تدرس بها الفيزيولوجيا وظائف الأعضاء. "أما الطريقة التي على الباحث الالتزام بها فهي المنهج المتبع في العلوم الطبيعية الاخرى والقائم على الملاحظة الخارجية. هذا التصور الفيزيولوجي للظاهرة الانسانية نجده كذلك لدى كل من كونت ودور كايم حيث يجمع كل هؤلاء على المشابهة بين عمل المجتمع وما يقابله في الكائنات العضوية فأجزاء المجتمع وأطرافه تعمل سويا كما تعمل أعضاء الجسم البشري لما فيه نفع المجتمع. فعمل القلب مثلا لا يتم الافي اطار علاقته بأعضاء الجسم الاخرى ووظائفه . لذلك فتحيل الوظائف التي تقوم بها مكونات المجتمع يتطلب أن نبين الدور و الوظيفة التي تلعبها في وجود المجتمع.
لقد شددت الوظيفة كذلك على أهمية الاجتماع الاخلاقي في الحفاظ على النظام والاستقرار في المجتمع فدور كايم مثلا أكد على دور الدين في الحفاظ على التماسك الاجتماعي لأن تمسك الافراد بالقيم الدينية يهدف الى ترسيخ التوازن في المجتمع .
هذا التصور الفيزيولوجي للظواهر الانسانية نجده كذلك لدى المدرسة الوظيفية الامريكية المعاصرة التي ترى أن النشاط الاجتماعي يرجع الى مجموعات سياسية واقتصادية وأخلاقية.. تضبطها "... علاقات وظيفية معينة"
2 – منظور الفعل الاجتماعي
قامت التصورات الوظيفية على تأكيد أهمية البنيات المجتمعية التي تؤثر على سلوك الفرد لذلك ركزت على الطريقة التي يعمل بها المجتمع برمته، بالمقابل نجد أن نظريات الفعل الاجتماعي تركز على تحليل الاسلوب والطريقة التي يتصرف بها الفاعلون أو الأفراد في ما بينهم من جهة وفي ما بينهم والمجتمع من جهة أخرى.
ينظر عادة الى ماكس فيبر بأنه أول من تبنى هذا التصور لأنه اعتقد على أن الافعال الاجتماعية التي يقوم بها الافراد هي التي تؤتر في البنى الاجتماعية وليس العكس، ففي الوقت الذي ركز فيه دور كايم و كارل ماكس على قوة المؤثرات الخرجية في الفرد انطلق فيبر من قدرة الفرد على التأتير بصورة خلاقة في العالم الخارجي لقد آمنت هذه المدرسة بإمكانية الانسان على التغيير والابداع في ما يتعلق بمحيطه الخارجي إننا هنا أمام الفرد باعتباره فاعلا اجتماعيا له من القدرة ما يمكنه من التأتير في المجتمع.
3- التفاعلية الرمزية :
ركزت هذه المدرسة على القضايا المتصلة باللغة والمعنى وهي تجد أصولها في أعمال الفيلسوف الامريكي جورج هابرت ميد (1963-1931) الذي يرى أن اللغة هي التي تمكننا من أن نرى أنفسنا من الخارج لأن عبرها نبلغ مرحلة الوعي الذاتي ونحس بفرديتنا لأن العنصر الرئيسي فيها هو الرمز أي الاشارة التي تمتل معنى. فالكلمات التي نستعملها هي رموز تحيل إلى دلالات معينة. فحين نقول محفظة فإننا نشير غلى شيء يستعمل لحفظ لوازم معينة كما أنها تشمل الايماءات غير الشفوية التي تستخدم كلها من أجل تحقيق التواصل بين الذوات داخل المجتمع، هذا التواصل الذي يقوم على تبادل الرموز. فالبشر إذن يعيشون في عالم مليء بالرموز لذلك ركزت هذه المدرسة على ضرورة تحليل الطريقة التي من خلالها يتم هذا التفاعل والدور الذي يقوم به من أجل خلق المجتمع ومؤسساته.
لقد ركزت هذه المدرسة على التفاعل الرمزي بين الأفراد الأمر الذي عرضها للنقد لكونها أهملت القضايا المجتمعية الأخرى التي تتصل بالسلطة والبنيات المجتمعية من مؤسسات سياسية واقتصادية ودينية والتي تؤثر بدورها على الأفراد.
خلاصة:
إن ما يمكن ملاحظته في ما يخص القضايا الأساسية المرتبطة بالسوسيولوجيا من موضوع ومنهج ونظرية منذ نشأتها هو لهفة أصحابها في البحث عن منهج علمي يحقق لهم معرفة أكثر دقة وموضوعية.
إن هذا المطلب كما رأينا يتحدد من خلال أخذ العلوم الانسانية بأكثر من منهج واكثر من نموذج علمي (الفيزيولوجيا، علم اللغة....) لكن هذا الاختلاف لا يلغي الاتفاق بين علماء الاجتماع الذي يؤكد على ضرورة التخلي عن الآراء الشخصية والاحكام المسبقة من أجل دراسة الظاهرة الانسانية دراسة موضوعية.
إن الاختلاف هنا هو مؤشر واضح على غنى وتعقد موضوع علم الاجتماع ألا وهو الواقعة الاجتماعية التي ترتبط بالانسان باعتباره كائنا متميزا عن باق موضوعات الطبيعة الاخرى.

Mr.A-OUEDGHIRI

ذكر الجدي الحصان
مشآرڪآتي : 1497
عُمرِـے• : 26
نِقاطے• : 5303
تاريخ التسجيل : 27/12/2008
http://www.ffesj.forumaroc.net

رد: العلوم الانسانية

في الثلاثاء 22 يناير - 15:18
اخي CHADLI انه موضوع وليست مداخلة او رد

المرجو منك وضعه كموضوع مستقل بذاته
وشكرا لك

_________________________________________
الادارة العامة للمنتديات
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى