مراسلة الادارة
من هنا

شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
محمد انوار

ذكر السمك النمر
مشآرڪآتي : 849
عُمرِـے• : 43
نِقاطے• : 5130
تاريخ التسجيل : 10/02/2010
http://www.google.com

ازمة قمع الجريمة في الفقه المعاصر

في الأحد 19 سبتمبر - 11:22

احمد محمد بوستة استاذ بجامعة خليج سرت- ليبيا

تمهيد: لاشك ان العقوبة تمثل وجهين لعملة واحدة بالنسبة للنظم العقابية سواء القديم منها ام الحديث، فهي صورة تقليدية لرد فعل الجماعة على السلوك الاجرامي، وهي كذلك في وقتنا الحاضر، وتنحصر وظيفتها منذ القدم في الايلام والزجر.

وعند تحديدها لا يؤخذ في الاعتبار سوى جسامة الفعل المرتكب ومدى خطورته على الجماعة دون الاعتداد بشخصية الجاني(1)، وما دامت كذلك فمن غير المتصور تطبيقها الا في مواجهة شخص له ارادة حرة واعية نتج عنها السلوك الاجرامي من ذلك الشخص، وبسبب مسؤوليته تلك عن فعله الذي ارتكبه يستحق ان ينزل به العقاب الذي ينطوي على الايلام كجزاء مساو لما اقترفه من اثم.

وعلى هذه الاسس- كانت وما تزال- في اغلب الاحيان تتم عملية حماية المجتمع من الجريمة وبالتالي وقايته منها، فكان المجتمع يحمي نفسه من الجريمة ويتقيها عن طريق انزال العقاب بالمارقين على انظمة وقوانينه، وبالتالي فانها وسيلة الخلاص الاجتماعي من براثن الجريمة والمجرم على السواء، ونتيجة لذلك نادى بعض الفقهاء (2) بانزال العقوبات القاسية على الجاني باعتبارها دفاعا اجتماعيا ووسيلة مهمة للردع العام ضد ظاهرة الاجرام المتزايدة.
--------------------------
1) وذلك في النظم العقابية القديمة .
2) جيرمي بنثام الذي يدافع عن فكرة (( منفعة العقوبة )) التي نادى بها بيكاريا، غيرانه اعطاها تفسيرا اخر، مضمونه: انه لما كان الانسان مسوقا في تصرفاته بهدي من مصلحته الخاصة وهي التي دفعته الى طريق الجريمة، فان العقوبة يجب ان تتصف بالقسوة والالم الذي يفوق الفائدة التي يتوقعها المجرم من الجريمة.
-------------------------
وابتداء من القرن الثامن عشر ظهرت افكار واراء جديدة تنادي برفض مبدا العقوبة واستبدلها باجراءات اصلاحية علاجية بديلة(1) على اعتبار انها ليست وسيلة ايلام وزجر وتشفي من الجاني بقدر ما هي وسيلة اصلاح وتهذيب وتاهيل للمجرم ذاته، فهي بهذه الوظيفة الثانية - الاصلاح والتهذيب- انما تحقق الوقاية العامة بواسطة عزل الجاني عن المجتمع لكي يتم اصلاحه مما يقود الى عدم عودته الى سبيل الجريمة مرة اخرى (2).

ولقد سادت القسوة المعبرة عن الانتقام سواء كان انتقاما فرديا ام جماعيا ام دينيا كما في العصور الاولى، ثم ساد العقاب" التفكيري" أي ان العقوبة تعتبر تكفيرا من الجاني عما اقترفته يداه وردعا للاخرين وحماية للمجتمع، وذلك كله يتطلب عقوبة قاسية لتحقيق تلك الاغراض، وبعدها جاءت اخرى سادت فيها فلسفة العقاب"العادل" والاصلاحي في العصور الوسطى متاثرة بالفكر الديني المسيحي.

غير انه مع بداية النصف الاخير من القرن الثامن عشر بدات الدراسات العقابية تاخذ منحى اخر لتصب اهتماماتها في قالب يحدد اغراض العقوبة، وتمخض عن هذه الافكار ظهور عدد من النظريات الفلسفية التي تبحث في اساس حق العقاب واهدافه، وبالتالي يمكن التمييز في الفكر الجنائي الحديث والمعاصر بين عدة مذاهب، لكل منها ذاتيته الخاصة بشان تحديد غرض العقوبة.

وهذه الاراء الاصلاحية التي اعتمدتها المدارس الجنائية فيما بعد وخاصة قاعدة(( لا جريمة ولا عقوبة بغير نص)) كان لها اثر كبير في قوانين العقوبات في العصر الحديث(3)، واقرارها مبدا المساواة امام القانون لكل مرتكبي الجرائم والتخفيف من
--------------------
1) مامون محمد سلامة، قانون العقوبات، القسم العام، ط3، 1990، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، ص 736، مصطفى عبد المجيد كارة، مقدمة في الانحراف الاجتماعي، ط 1، 1985، معهد الانماء العربي، بيروت، لبنان، ص 131.
2) مامون محمد سلامة، المرجع السابق، ص 736، العلمي عبد الواحد، المبادئ العامة للقانون الجنائي المغربي، الجزء الاول، الجريمة، 1993، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء ، المغرب، ص 43.ط
3) كالمادة الاولى من قانون العقوبات الليبي التي تنص على انه(( لا جريمة ولا عقوبة الا بنص)).
----------------------
العقوبات التي اتسمت بها العصور الوسطى واقرارها مبدا حرية الاختيار، مما ادى الى ظهور اراء جديدة(1)، تنادي بدراسة شخصية المجرم والظروف التي احاطت به عند ارتكابه للجريمة ومحاولة اصلاحه وتاهيله عن طريق وضع برامج وخطط لعلاجه بعد دراسة الاسباب التي ادت الى اجرامه.
وبسبب الاتجاهات الفقهية والفكرية وتعاقبها تكونت مدارس في علم الاجرام والعقاب لكل منها فلسفته الخاصة به وتبلورت تلك الاراء حول فكرة الجريمة والعقاب التي نحن بصدد دراستها.

ونستعرض هذه المذاهب حسب التسلسل التاريخي كالتالي:
اولا: المدرسة التقليدية التي تميزت بالبحث النطري المجرد ( فلسفي قانوني).
ثانيا: المدرسة الوضعية التي تميزت بالواقعية، حيث بنت مبادئها على اساس دراسة الواقع ثم استقراء النتائج التي تسفر عنها تلك الدراسة الواقعية، أي ( عملي ميداني تجريبي - المشاهدة والملاحظة)، وبذلك فهي تناقض تماما المدرسة التقليدية، وقبلها كانت المدرسة التقليدية الجديدة التي يرى اقطابها ان العقوبة يجب ان تجمع بين العدالة والمنفعة الاجتماعية فقد نهجت نهجا توفيقيا، وظهور مدارس اخرى تسمى مدارس الوسط او التخيير، ثم ظهور حركة الدفاع الاجتماعي الحديث هدفها بناء سياسة جنائية جديدة، وهناك اتجاه اخر يسعى الى التوفيق بين سياسة الدفاع الاجتماعي الحديث والسياسة الكلاسيكية الذي اصطلح على تسميته بـ ((الاتجاه الكلاسيكي الجديد المعاصر)).

وعليه سنعالج هذا الموضوع في :
المبحث الاول: المدرسة التقليدية.
المبحث الثاني: المدرسة التقليدية الجديدة.
المبحث الثالث: المدرسة الوضعية.
المبحث الرابع: المدارس التوفيقية.
المبحث الخامس: حركة الدفاع الاجتماعي الحديث.
المبحث السادس: الفكر التقليدي الجديد المعاصر.
---------------
1) حول وسيلة قمع الجريمة والوقاية منها.
---------------
المبحث الاول
المدرسة التقليدية (école classique)

يعتبر سيزاري بيكاريا ( cesare beccaria) الايطالي (1738-1794) بحق رائد المدرسة التقليدية، ومن اقطابها ايضا جيرمي بنثام ( Geremy Benthan) الالماني الانجليزي(1748-1832)، والعالم انسلم فويرباخ (Anselme Feuerbach ) الالماني (1775-1883). والفقيه فيلامجيري (Filamgerie ) الايطالي (1702-1788).

وقد جاءت افكار وتعاليم هؤلاء المؤسسين لهذه المدرسة نتيجة افرازات النصف الاخير من القرن الثامن عشر، حيث كان القضاة يملكون سلطات واسعة(1) بما يصدرونه من احكام على المتهمين تحت مظلة تفسير القوانين السائدة في ذلك الوقت، حيث كان يسودها الغموض ومن ثم فان الاحكام تختلف باختلاف المتهمين، تبعا لمراكزهم الاجتماعية وما يقدمونه من رشاوي للقضاة (2)، وكانت الاتهامات سرية في اغلب الاحوال وتنتزع الاعترافات من المتهمين انتزاعا حيث كانوا يخضعون لأبشع انواع التعذيب (3).

والسجون كانت من المهانة بمكان لافتقادها ابسط حقوق الانسان، ناهيك عن تصنيف المجرمين بداخلها، حيث كان المبتدئ مع العائد، والحدث مع البالغ، فاصبح السجين يتلقى الدروس في الجريمة والاجرام حتى اذا ما خرج من السجن كان اسوا حضا واكثر اجراما وعاد اليه مرة ثانية وهكذا ذواليك.
------------------------
1) محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، القسم العام، النظرية العامة للجريمة، 1962، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، رقم 20، ص 18، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص 44.
2) قال احد اعضاء البرلمان الانجليزي في القرن الثامن عشر وهو يصف احد قضاة الصلح بانه "حيوان يستطيع ان يعطل تطبيق دستة من القوانين في مقابل نصف دستة من البيض"، اورده احمد عوض بلال، النظرية العامة للجزاء الجنائي، 1995، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، رقم 159، هامش 312، ص 152.
3) مصطفى عبد المجيد كاره، المرجع السابق، ص96 وما بعدها، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 159، ص، احمد شوقي عمر ابو خطورة، شرح الاحكام العامة لقانون العقوبات، لدولة الامارات العربية المتحدة، الجزء الاول، النظرية العامة للجريمة، 1989، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، رقم 13، ص23، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص44.
------------------------

- الأسس التي قامت عليها المدرسة.
ترعرعت هذه المدرسة في عصر سادت فيه فكرة العقد الاجتماعي التي نادى بها الفيلسوف الفرنسي"جان جاك روسو" مفادها: ان الفرد يخضع للمجتمع بارادته الحرة وينضوي تحت مظلته مقابل دفاع المجتمع عنه وعن ممتلكاته بمسؤولية كل منهما تجاه الاخر، وبالتالي فان الفرد لا يتنازل عن حريته الا بالقدر اللازم لاستقرار الحياة في المجتمع، وذلك يؤسس بالتالي حق الدولة في العقاب استنادا الى العقد الاجتماعي، وكل طغيان وعسف يتجاوز القدر اللازم لحماية الامن العام في المجتمع يعتبر عقوبة طاغية لا تمت للعدالة بصلة يجب محاربتها(1).

وعلى هدي العقد الاجتماعي الذي نادى به " روسو" بنى رجال هذه المدرسة افكارهم على اسس اهمها: المنفعة وحرية الاختيار والمساواة امام القانون، التي تعتبر من اهم ركائز التشريع العقابي، وسنعالج هذه الاسس باختصار فيما ياتي:

1-المنفعة : هي اساس حق العقاب: يرى" بيكاريا" ان الهدف الاساسي من العقوبة هو المنفعة العامة مما يجعل الجاني يحجم عن ارتكاب جرائم اخرى حتى يعيش المجتمع في امن وسلام، وهذه الغاية تتحقق عندما تتناسب العقوبة مع ما تحدثه الجريمة من ضرر بالجماعة، وعلى هذا الاساس ينبغي الا تتعسف الجماعة في تقريرها للعقوبة متجاوزة مقدار ما احدثته الجريمة من ضرر لها، ولا مانع من ان يزيد الالم الذي تحدثه العقوبة الفائدة التي يؤملها الجاني من ارتكابه للجريمة(2)، ولا يرى" بيكاريا" التوسع في عقوبة الاعدام لما تخلفه من صدمة في الشعور العام للمجتمع وتعتبر من الوحشية والعنف والقسوة بمكان واقتراح الغاءها(3).

اما العالم الانجليزي " جيرمي بنثام" فقد دافع عن فكرة منفعة العقوبة التي قال بها"بكياريا"، ولكنه فسرها تفسيرا اخر حيث قال: ان الانسان عندما كان مسوقا في تصرفاته بوحي من مصلحته الخاصة التي عن طريقها ارتكب الجريمة، فان
----------------------------
1) محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات، رقم 20، ص 18، احمد عوض بلال المرجع السابق، رقم 161، ص154.
2) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 14، ص25.
3) المصدر نفسه ونفس الصفحة، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 164، ص 156.
----------------------------
العقوبة يجب ان تكون قاسية شديدة تفوق تلك المصلحة المتوقعة حتى يقلع عن ارتكاب الجريمة، وتحديد العقوبة مقدما لكل جريمة بحيث تجعل الافراد يعرفون انهم اذا ما اقدموا على الجريمة فان العقوبة القاسية تنتظرهم، فهم بالتالي : يحجمون عن ارتكاب الجريمة لكي يفلتوا من العقاب، وبذلك تحقق العقوبة الردع العام(1).

والعالم الالماني " فويرباخ" فقد قال بنظرية "الاكراه النفسي" التي مفادها ان الجاني عندما يرتكب الجريمة فانه يستشعر لذة يرضي بها احدى شهواته.
وبالتالي يجب ان تكون العقوبة شديدة توازن تلك اللذة او تفوقها حتى تقمع الجريمة فيه وتصرفه عن الاجرام(2).
ولقد تاثر بهذه الافكار النفعية التي نتيجتها تشديد العقاب، كل من قانون " نابليون" سنة 1810 والقانون"البافاري" سنة 1813.

2- حرية الاختيار: لقد ساد مبدأ اخر في فترة نشاة المدرسة التقليدية الاولى هو مبدا "حرية الاختيار" كاساس للمسؤولية الجنائية، واعتنقه "بيكاريا" بلهفة ونادى به، ومفاده ان الانسان يولد حرا ويعيش في كنف هذه الحرية وله حرية الاختيار بين الخير والشر بما له من عقل، وبتلك التصرفات الغائبة(3)أي التي تحقق غاية معينة يستطيع التمييز بين الافعال التي تجلب اليه لذة ويتحاشى تلك التي تصيبه بالم، وما دامت حرية الاختيار متساوية عند جميع الافراد فيجب المساواة التامة في المسؤولية بين جميع المجرمين الذين يتمتعون بملكتي الادراك والاختيار، ويخرج عن هذا المجنون والصغير اللذان هما غير اهل للمسؤولية الجنائية(4).
----------------------
1) محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، رقم 20، ص 18، محمد خلف، مبادئ علم الاجرام، ط2، 1977، دار الحقيقة، بنغازي، ليبيا، ص 110، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم14، ص25.
2) محمود خلف، المرجع السابق، ص111، وكتابيا، العود في التشريع الجنائي الاسلامي والقوانين الوضعية، 1990، رسالة غير منشورة، جامعة الفاتح، طرابلس، ليبيا، ص 34، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص44.
-----------------------
وبسبب اعتناق هذا المذهب الذي يؤسس المسؤولية الجنائية على حرية الاختيار وقيام المسؤولية الجنائية على اساس الضرر المترتب عن الجريمة، وعدم الالتفات الى شخصية الجاني ومراعاة ظروفه الشخصية والاجتماعية وميوله ومدى خطورته، الامر الذي يجعل العقوبة ذات حد واحد لكل جريمة ويصبح دور القاضي مجرد اداة في يد العدالة تقتصر مهمته على الفصل في ثبوت البراءة او الادانة والنطق بالعقوبة المحددة سلفا طبقا للقانون، وبالتالي ليس هناك محل لمبدا تقرير العقوبة الذي عن طريقة تختلف المعاملة العقابية من جان الى اخر حسب ظروفه التي قادته الى ارتكاب الجريمة، وبالتالي انزال العقوبة الملائمة عليه، ويعتقد "بيكاريا" ان مثل هذا النظام يحقق اكبر قدر من الضمانات للجاني ضد تعسف وشطط القضاة، والحد من حريتهم الزائدة في تطبيق الاحكام.

3- الجميع امام القانون سواء: بسبب التاثر الكبير لانصار المدرسة التقليدية في تقرير حق المجتمع في انزال العقاب على المجرم بنظرية العقد الاجتماعي، فقد نادوا بالمساواة بين الافراد في تطبيق القانون وعدم النظر الى شخصياتهم وانتماءاتهم واحوالهم المعيشية، وبالتالي فلا مجال لشخصية العقوبة ومراعاة ظروف الجاني، فيمتنع على القاضي ان يوقع عقوبة غير منصوص عليها في قانون العقوبات ولا مجال للقياس ووضع حد لشطط القضاة واستبدادهم باحكام جائرة(1)، والواقع ان "بيكاريا" يعتقد ان المساواة في العقوبة وتوقيعها على كل من يرتكب الفعل نفسه - بغض النظر عن موقعه في المجتمع- يؤمن الحفاظ على حماية الحريات الفردية التي يجب ان يتمتع بها الافراد، والنأي بهم عن السلطات الواسعة المخولة لقضاة ذلك العصر(2)، ووجد هذا المبدا صداه في القوانين الحديثة ايضا.

- تقييم هذه المدرسة: من حيث قيمتها العلمية يمكن القول بان لها فضل القضاء على مساوئ النظام العقابي السائد في ذلك العصر، حيث كان يقتص من الجاني باساليب وحشية، فخففت من السلطات التحكيمية التي يتمتع بها القضاة(3)
--------------------------
1) احمد محمد بونه، المرجع السابق، ص35.
2) مصطفى عبد المجيد كاره، المرجع السابق، ص99.
3) احمد شوقي عمر ابو خطوه، المرجع السابق، رقم 14، ص27.
--------------------------
مما احدث انقلابا في فلسفة النظام الجنائي القديم برمته، ويرجع اليها الفضل في ارساء قواعد التشريع الجنائي الحديث حيث كان ذلك واضحا في اعلان حقوق الانسان الصادر في فرنسا في 26 اغسطس1789، وظهر اساسها في قانون العقوبات الفرنسي الصادر في عام1791 (1)، وابرز هذه القواعد: حرية الاختيار والمسؤولية الشخصية للعقوبة والتخفيف من غلواء العقوبات.

غير ان هذه المدرسة لم تسلم من العيوب وابرزها: انها اتجهت نحو التجريد المطلق (2) باغفالها شخص الجاني وبواعثه والظروف المحيطة به والدوافع التي قادته الى الجريمة، أي بمعنى التركيز على الجريمة دون فاعلها، وذلك مؤسس على الهدف الاسمى لدعاتها بتحقيق المساواة المطلقة بين المجرمين في العقوبة بسبب رواسب الماضي اثناء فترة تحكم القضاة واستبدادهم، غير ان المساواة المجردة لا تحقق العدالة لارتكازها على جانب واحد من جوانب الجريمة وهو الجانب المادي، اما الجانب النفسي الذي يتمثل في الارادة الاجرامية التي تهدف الى تحقيق ماديات الجريمة فقد كان مهملا(3).

وواقع الامر ان اخضاع كل من ارتكبوا نفس الجريمة لعقوبة واحدة لاشك انه يعبر عن الاخلال الفاضح بقواعد العدالة التي تتطلب ضرورة ملائمة العقوبة لشخصية مرتكبها في الكم وطريقة التنفيذ(4).
واهم نقد وجه للمدرسة التقليدية الاولى انها ليست سياستها الجنائية على ما للعقوبة من اثر في الردع العام، وبالتالي المغالاة في العقاب من ناحية جسامته واغفلت شخصية الجاني وظروفه ومحاولة لاصلاحه وتهذيبه وتاهيله لكي تجنبه العودة الى ارتكاب الجريمة مستقبلا(5).

هذه ابرز الانتقادات التي وجهت الى المدرسة التقليدية الاولى مما مهد الطريق الى ظهور المدرسة التقليدية الجديدة على انقاضها.
-------------------------
1) احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 165، ص156.
2) محمد خلف، المرجع السابق، ص 112، احمد عوض، المرجع السابق، رقم 165، ص157.
3) نفسه، ص113، نفسه والصفحة نفسها.
4) محمود نجيب حسني، علم العقاب، ص3، 1973، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، ص65.
5) احمد محمد بونه، المرجع السابق، ص 36.
-------------------------

المبحث الثاني
المدرسة التقليدية الجديدة (L'école néo-classique)
لقد داعت وانتشرت افكار جديدة خلال القرن التاسع عشر تبلورت فيما يعرف بالمدرسة التقليدية الجديدة التي قامت على انقاض المدرسة التقليدية القديمة، وان عدلت منها بعض الشيء وخاصة افكار الفيلسوف الالماني كانت "kant" س (1804-1724)، الذي كان معاصرا لاقطاب المدرسة التقليدية، فقد كان يؤسس حق العقاب على اساس تحقيق"العدالة المطلقة" وليس كما هو في المدرسة التقليدية الاولى، فهو على الاساس النفعي الاجتماعي.

ومن اقطابها ايضا: روسي (Rossi)، واورتولان(Ortolan)، ومولينيه (Molinier) في فرنسا، وكرارا (Carrara) في ايطاليا، وبرويشن ((Preuschen، وميترماير (Mitteremaier) في المانيا، وهوس (Haus) في بلجيكا.(1).
وانضم عدد من الفقهاء الى هذه المدرسة في النصف الاول من القرن العشرين وعلى راسهم غارسون (Garson)، وجاروفالو(Garofalo)، ودونديو دفابر (Donnedieu de vabres) (2).
الاسس الفلسفية التي ارتكزت عليها هذه المدرسة: قامت فلسفة هذه المدرسة على دعامتين اساسيتين هما حرية الارادة، والتوفيق بين العدالة والمنفعة، ونعرض فيما ياتي لهاتين الدعامتين:

1- حرية الارادة: كانت نظرة المدرسة التقليدية الاولى نظرة مجردة لحرية الارادة او الاختيار باعتبارها القدرة على اختيار طريق التصرف، اما المدرسة التقليدية الجديدة فقد جاءت بمفهوم جديد لتلك الحرية ينطوي على القدرة على مقاومة البواعث الشريرة(3)، وهي تعتبر ميزان المسؤولية الجنائية، فالناس ليسوا سواسية من حيث قدراتهم على مقاومة الدوافع التي تقود الى الجريمة، فظروف كل شخص وسنه
-------------------------
1) عبود السراج، قانون العقوبات، القسم العام، 1987، مطبعة الاسكان العسكرية، دمشق، سوريا، رقم22، ص 19.
2) نفسه، رقم 22، ص14.
3) احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 168، ص 158.
------------------------
وحالته الصحية والعقلية والنفسية تختلف من شخص الى اخر(1)، بل ان الشخص الواحد تتغير تصرفاته من حين الى اخر حسب ظروفه ومقدرته عل حرية الاختيار(2).

2- التوفيق بين العدالة والمنفعة: لقد تاثرت هذه المدرسة براي الفلسفة الالمانية بزعامة(( كانت)) الذي يقول : ان العقاب غايته ارضاء شعور العدالة عند الجماعة، ويتمثل في انزال العقاب بالجاني كمقابل حتمي لحرية الارادة التي دفعته لارتكاب الجريمة بغض النظر عن فكرة المنفعة الاجتماعية، وبالتالي فان رجال هذه المدرسة قد جمعوا بين فكرة العدالة وفكرة المنفعة الاجتماعية (3).

وعليه فان العقوبة اساسها العدالة وهدفها تحقيقها في حدود المنفعة الاجتماعية فلا يحق للمجتمع ان يعاقب الجاني بما يفوق الحدود التي تتطلبها المصلحة العامة للمجتمع، فالعقوبة لا تكون مشروعة الا في نطاق اجتماعها بالعدالة والمصلحة العامة(4).
والواقع ان هدف هذه المدرسة عموما التوفيق بين اراء المدرسة التقليدية والافكار الحديثة المستندة على العدالة.

- تقييم هذه المدرسة: تعتبر هذه المدرسة اول من ربط بين العدالة والمنفعة الاجتماعية، فهي تهدف الى العدالة، ولكن في حدود معينة يجب الا تتجاوزها،
---------------------------
1) تعتبر المدرسة التقليدية الجديدة اول من ابتدع فكرة استعانة القاضي بالخبرة القضائية، وعليه يمكن له الاستعانة بخبراء في مختلف التخصصات كالاطباء ( عامون ومتخصصون ) واخصائيين اجتماعيين ومحللين نفسيين وخبراء الاسلحة النارية، الى غيرهم من المتخصصين في الجريمة والمجرم، وفي هذا الاطار نلفت النظر وبقوة الى ايجاد القاضي المتخصص حتى يستطيع فهم الجاني الفهم العلمي الدقيق من خلال مراعاة ظروف الجاني والملابسات التي تحيط بالقضايا المطروحة امامه على بساط البحث.
2) عبود السراج، المرجع السابق، رقم 23، ص20، احمد محمد بونه، المرجع السابق، ص37.
3) محمد خلف، المرجع السابق، ص116، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 15، ص 28.
4) محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، رقم21، ص20، محمد خلف، المرجع السابق، ص116، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 169، ص159، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم15، ص29، محمود نجيب حسني، علم العقاب، ص67.
--------------------------
فالعقوبة يجب ان لا تكون اكثر مما هو عادل ولا اكثر مما هو ضروري(1)، وعلى الرغم من اتفاق هذه المدرسة مع المدرسة التقليدية القديمة في ان اساس المسؤولية الجنائية يقوم على مبدا حرية الاختيار (الارادة) الا ان اقطاب هذه المدرسة يخالفون نظراءهم برفضهم لفكرة المساواة بين الافراد في حرية الاختيار، لان هذه الحرية تختلف من شخص الى اخر، فمنهم من هو عديمها وغيره ناقصة وثالث كاملها ولكن المسؤولية تكون بقدر هذه الحرية، فضابطها اذن هو مقدرة الشخص على مقاومة البواعث الشريرة التي تدفعه الى سلوك طريق الجريمة، وهي بالطبع تتفاوت من فرد الى اخر.

ومن جهة اخرى فقد وضعت هذه المدرسة حجز الزاوية لنظام تفريد العقوبة حيث نقلت الاهتمام من الجريمة الى الاهتمام بالمجرم مع مراعاة ظروفه الشخصية والبواعث التي دفعته الى الاجرام ومدى خطورته(2).
وانارت هذه الافكار الطريق امام قوانين العقوبات فيما بعد، كقانون العقوبات الفرنسية المعدل سنة 1832 حيث استبعدت منه العقوبات الوحشية كقطع اليد قبل تنفيذ عقوبة الاعدام، ووضع بعض العقوبات بين حدين ادنى و اقصى، والاعتراف بنظرية الظروف القضائية المخففة ولكنها في نطاق ضيق مما يسمح للقاضي بسلطة تقديرية يستطيع استخدامها في حالة توافرها في شخص الجاني، او الظروف المحيطة بارتكاب الجريمة(3).

وامتدت هذه الافكار خارج فرنسا حيث تاثر بها قانون العقوبات الالماني الصادر في عام 1870، وقانون العقوبات الايطالي الصادر في عام 1889(4).
الا ان بعض انصار هذه المدرسة دعوا الى اعادة النظر في نظام التنفيذ العقابي (السجون ) برمته، لما لاحظوه من فساد السجون وعدم الاهتمام بها، بوضع برامج اصلاحية تهذيبية لنزلائها، كما انها تفتقر الى اساسيات الحياة، الامر
----------------
1) محمود نجيب حسني، علم العقاب، ص 67.
2) محمد خلف، المرجع السابق، ص117، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم171، ص159، احمد محمد بونه، المرجع السابق، ص38، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص 48.
3) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 15، ص30، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 171، ص159، احمد محمد بونه، المرجع السابق، ص 38، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص 48.
4) محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، رقم21، ص 22.
----------------
الذي اسهم في زيادة معدل الجريمة وعلى راس هؤلاء الانصار الفرنسي شارلي لوكاس (Charles lucas) الذي نشر كتابه الشهير حول ( نظام السجون في اوروبا والولايات المتحدة الامريكية) عام 1828 (1).
وعلى الرغم من هذا كله ان هذه المدرسة لم تسلم من النقد، فقد عيب عليها انها لم تاخذ بمدلول محدد لحرية الاختيار وفقا لمعيار يمكن به قياس مقدرة الشخص على مقاومة البواعث الشريرة التي تجرفه نحو الجريمة مما يقود - وفق هذه النظرية- الى نتيجة شاذة مقتضاها تخفيف العقاب على من لا يستحقه كالمجرمين العائدين والمعتادين للاجرام الذين تتناقض لديهم المقدرة على مقاومة البواعث الشريرة، الامر الذي جعل اختلاطهم بالجناة المبتدئين كارثة عارمة، فيتعلمون منهم دروسا في الجريمة والاجرام حتى اذا ما خرجوا هم ايضا اصبحوا عائدين بسبب ارتكابهم لجرائم اخرى، كذلك ما يؤدي به اختلاطهم من ناحية اخرى لارتكاب جرائم جنسية داخل السجون ذاتها، كذلك تؤدي فكرة حرية الاختيار التي نادت بها هذه المدرسة الى التوسع في تطبيق عقوبات قصيرة المدة سالبة للحرية مما ادى الى النتيجة السابقة ايضا، وبالتالي إهدار جانب مهم وخطير في اثناء تنفيذ العقوبة على الجناة وهو غرض الاصلاح والتاهيل الذي يجب ان تضطلع به السجون(2).

كما عيب عليها ايضا اخذها بنظام المسؤولية المخففة الذي يستفيد منه المجرم الخطير الذي مسحت من ذهنه العوامل المنفرة من الجريمة، دون الجاني المبتدئ مما يؤدي الى نتيجة غير منطقية وليست عادلة في نفس الوقت(3).

وبسبب هذه الانتقادات وغيرها اصبح الطريق مفتوحا لظهور المدرسة ((الوضعية))التي تعتمد الملاحظة والتجربة اساسا للدراسات العقابية .
----------------------
1) وهو ذلك نصب نفسه (( في مقدمة اتجاه فكري جديد نشا في اطار الفكر التقليدي الحديث وعرف بالمدرسة العقابية)).
(Ecole pénitentiaire) اورده احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 171، ص 161.
2) محمد خلف، المرجع السابق، ص118 وبعدها، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم5، ص30، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 171، ص 160، احمد محمد بونة، المرجع السابق، ص 38.
3) بمعنى ان المجرم المعتاد الاجرام الاكثر خطورة تطبق عليه عقوبة اخف من المجرم الاقل خطورة عند تطبيق نظام المسؤولية المخففة، وذلك لا يمت للعدالة العقابية السليمة بصلة.
-----------------------
المبحث الثالث
المدرسة الوضعية (l'école positive)
نتيجة لعدم نجاح الفكر التقليدي في مكافحة ظاهرة الاجرام والتصدي لها بسبب الازدياد المضطر في عدد مرتكبي الجرائم، الامر الذي جعل السجون تئن بمن فيها، وانعدام البرامج التهذيبية والاصلاحية المترتبة على الحبس قصير المدة، الذي يستفيد منه المجرم الخطير الذي اعتاد الاجرام دون غيره من السجناء المبتدئين، واتجاه العقوبة نحو الردع العام دون الردع الخاص الذي يهدف الى اصلاح الجاني وعودته الى المجتمع عضوا نافعا فيه بعد ان يقضي العقوبة المحكوم بها عليه، مما قاد الى اختلاط المحكوم عليهم باشخاص لهم باع طويل في عالم الاجرام، وبعد طول هذا التخبط الكبير فقد لاح في الافق نظام جديد اساسه الملاحظة والتجربة والاهتمام الخاص بشخص الجاني، ومحاولة اصلاحه بعد تلك الدراسة.

ونشأت المدرسة الوضعية في ايطاليا في الربع الاخير من القرن التاسع عشر على يد ثلاثة روادهم: لومبروزو (Lombroso )1836-1909، استاذ الطب الشرعي الذي نشر افكاره في كتاب اسماه (( الرجل المجرم)) عام 1876، فيرى( Ferri )1865-1929، استاذ القانون الجنائي الذي نشر كتابه حول " نظرية تفنيد ورفض حرية الاختيار" عام 1878، وجاورفالو(Garofalo) 1852-1934، القاضي والفقيه الايطالي الذي صاغ نظريته في كتابه (علم الاجرام) عام 1885(1).

وقد كان للافكار التي نادى بها هؤلاء الرواد الاثر الكبير المهم في تطور الفكر الجنائي والعقابي بصورة عامة، ولمحاولة فهم فكر وفلسفة هذه المدرسة لابد من البحث فيما نادى به اقطابها ومنهجهم الذي سلكوه، ومنهم:
1- سيزار لمبروزو: اعتقد " لمبروزو" بوجود ما اسماه بالمجرم بطبيعته او بالوراثة، بمعنى انه غالبا ما يحمل بعض العلامات الارتدادية التي ترجعه الى اسلافه
-----------------------
1) لمزيد من الايضاح راجع، محمد خلف، المرجع السابق، ص130، عبود السراج، المرجع السابق، رقم 26، هوامش 1،2،3، وما بعدها، مصطفى عبد المجيد كاره، المرجع السابق، ص 114، احمد شوقي عمر، ابو خطوة، رقم 16، ص31 وما بعدها احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 172، ص 162.
----------------------
البعيدين، أي الى الانسان المتخلف، ولكن هذه الصفات لا تؤدي بطبيعة الحال الى الجريمة مباشرة، ما لم تندمج في شخصية صاحبها، وبالتالي فان الانسان المجرم هو الذي ما يزال محتفظا بواسطة الوراثة بخصائص انثروبولوجية (1) وفسيولوجية (2) كانت في الاساس خاصة بالانسان البدائي(3)، وبناء عليه يصبح هذا الانسان مرغما على ارتكاب الجريمة دون اختيار منه وهو بالتالي مجرم بالفطرة او الميلاد(4).

ومن خلال التجارب والدراسات التي قام بها ( لمبروزو) قسم المجرمين الى خمس طوائف (5) وهي:
1- المجرم بالميلاد او بالغريزة : وهو الشخص الذي يحمل منذ ولادته صفات عضوية وفسيولوجية ونفسية، فلا يستطيع مقاومتها وهي التي تدفعه بقوة نحو الجريمة بسبب تلك الدوافع الاجرامية الموروثة لديه منذ ولادته.
2- المجرم المجنون : وهو من اصيب بمرض عقلي افقده القدرة على ادراك طبيعة افعاله ونتائجها، فينقاد نحو الجريمة تبعا لذلك، ويدخل تحت هذه المظلة: المصابون بالصرع، وانصاف المجانين، ومن لا يملكون اتزانا نفسيا وعقليا.
3- المجرم بالعادة : وهو من يرتكب الجريمة بعدما تكونت لديه العادة على ارتكاب الافعال المخالفة للقانون مرة بعد مرة سبب الظروف الاجتماعية المحيطة به، كالفقر، والبطالة، وادمانه الخمر، واتصاله باصحاب السوابق الجنائية فيؤثرون في اتجاه سلوكه نحو الجريمة ويكتسب تكوينا اجراميا حتى تصبح الجريمة مورد رزقه.
--------------------------
1) الانثروبولوجيا: هي علم دراسة الانسان.
2) الفسيولوجيا: هي علم وظائف الاعضاء.
3) وهو الذي تاصلت فيه نوازع الشر بطبيعته وظروف البيئة الصعبة المحيطة به، والتي تتجسد في المثل القائل ( ان لم تكن دئبا اكلتك الذئاب).
4) محمد خلف، المرجع السابق، ص133، احمد شوقي عمر ابو خطور، المرجع السابق، رقم 16، ص 32.
5) لمزيد من الايضاح راجع، محمد خلف، المرجع السابق، الصفحات من 137-134، عبود السراج، المرجع السابق، رقم 28، ص24 وما بعدها، مصطفى عبد المجيد كاره، المرجع السابق، ص 120 وما بعدها، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 16، ص 35 وما بعدها، احمد محمد بونه، المرجع السابق، ص 35 وما بعدها، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص49.
----------------------------

4- المجرم العرضي او مجرم الصدفة: هذا لا يوجد لديه ميل تكويني نحو الجريمة أي بالميلاد، وانما يرتكب جريمته بسبب ظروفه يعجز عن مقاومتها كالفقر او البطالة، او ظروف عائلية وبيئية، واحيانا بدافع التقليد وحب الظهور، غيران هذا النوع من المجرمين كثيرا ما يعاوده الندم على فعله .
5- المجرم العاطفي او الانفعالي : عادة ما يكون طيب القلب، ولكنه في ذات الوقت شديد الحساسية وينفعل بسرعة، ومزاجه عصبي، يرتكب جريمته بدوافع عاطفية كالحب والغيرة والكراهية، غير انه سريع الندم.

2- انريكوفيري: واصل" فيري" بعد " لمبروزو" الابحاث متجها بالمدرسة الوضعية اتجاها اجتماعيا، أي لم يقتصر بحثه على دراسة العوامل الداخلية للمجرم كما فعل سلفه" لمبروزو"، بل تعداها الى دراسة العوامل الخارجية المحيطة به، فالجريمة - وفق رايه - خليط من عوامل داخلية ( شخصية) عضوية ونفسية، واخرى خارجية طبيعية واجتماعية.
وقد جاء بنظرية ( التشبع الاجرامي) أي فكرة حتمية الجريمة(1)التي مفادها: ان الجريمة تسببها ثلاثة عوامل تكون على هيئة مثلث.
اولها: عوامل انثروبولوجية ( شخصية ترتبط بشخص المجرم، عضوية، نفسية، وعوامل اخرى كالسن والجنس والمهنة والحالة الاجتماعية..
ثاينها: عوامل طبيعية كالمناخ والفصول الاربعة.
ثالثها: عوامل اجتماعية، أي البيئة المحيطة بالشخص، كالاسرة والتعليم والصناعة والمستوى الاقتصادي وكثافة السكان.

فاذا اجتمعت هذه العوامل في مجتمع ما، فانه ينتج حتما عددا من الجرائم لا يزيد ولا ينقص، وهو ما يسمى "بدرجة التشبع الاجرامي للمجتمع"، واذا ما قامت معدل الجريمة يزيد باضطراد، ويرجع الى ما هو عليه عند زوال ذلك المؤثر (2).
-----------------------
1) محمد خلف، المرجع السابق، ص 138، مصطفى عبد المجيد كاره، المرجع السابق، ص122، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 16، ص 33.
2) احمد شوقي، عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم16، ص 33 وما بعدها.
----------------------
3- رافائيل جاروفالو: يعتبر "جاروفالو" اول من استخدم مصطلح"علم الاجرام" عن طريق وضعه اسما لكتابه الذي اصدره عام 1885، حيث درس فيه ظاهرة الاجرام واسبابها دراسة تعتمد على الموضوعية العلمية، مفرقا فيه بين الجرائم الطبيعية والجرائم المصطنعة.

فالجريمة الطبيعية تتمثل في السلوك غير الاخلاقي وتعافها الانفس وتزدريها وتعاقب عليها جميع الشرائع باعتبارها منافية لكل مشاعر الخير والعدالة .
اما الجريمة المصطنعة فهي من صنع المشرع، وتختلف من مجتمع الى اخر حسب النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكل جماعة(1).
وعلى ضوء هذه التفرقة فان"جاروفالو" يولي انزال العقاب بمرتكب الجريمة الطبيعية، الذي يمتاز بالانانية وبعدم الشعور بالمسؤولية اهمية خاصة، حيث يقترح تمييزا في المعاملة يلائم كل صنف من المجرمين حسب خطورته الاجرامية.

الاسس الفكرية للمدرسة: احدثت المدرسة الوضعية انقلابا خطيرا على الافكار التي سبقتها وخاصة المدرستين التقليدية، والمدرسة التقليدية الجديدة بان وجهت الاذهان نحو الملاحظة والتجربة والعمل الميداني بدلا من الاراء والافكار الفقهية فقط في كشف الحقائق، واعتماد شخصية المجرم في الدراسة بدلا من الجريمة، وعليه نفسر القول فيما ياتي :

1- مفهوم الحتمية : من خصائص هذه المدرسة رفضها لمبدا ( حرية الاختيار) والمناداة بمفهوم الجبرية او الحتمية المطلقة بالمجرم - على رأيها- مدفوع على سبيل الحتم نحو الجريمة بقوى طبيعية وبيولوجية واجتماعية لا قبل له بمقاومتها، فاذا كان الجاني مدفوعا نحو الجريمة بتاثير هذه العوامل التي لا دخل لارادته فيها(2)، فمن العبث اذن تاسيس مسؤوليته الجنائية على اسس اخلاقية اجتماعية قائمة على حرية الاختيار، وبالتالي فان كل شخص مسؤول عن الجرائم التي يرتكبها مهما كان مميزا او غير مميز، عاقلا او مجنونا.
--------------------
1) محمد خلف، المرجع السابق، ص 139، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم16، ص 34.
2) عبود السراج، المرجع السابق، رقم29، ص 26، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم16، ص 37، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 173، ص 163، احمد محمد بونه، المرجع السابق، ص 40، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص 50.
--------------------
2- الخطوة الاجرامية : ان المجتمع مضطر للدفاع عن نفسه ضد الجريمة ايا كانت لا عن طريق توقع العقوبة على المجرمين بل عن طريق اتخاذ تدابير وقائية احترازية تطبق على المجرم عند ارتكابه للجريمة، لتمنعه من ارتكاب جرائم اخرى غيرها مستقبلا او مع غيره من الافراد، اذن الحل هو احلال المسؤولية الاجتماعية او القانونية محل المسؤولية الاخلاقية، فالواجب الاجتماعي يفرض عليه ان يخضع لاجراءات بديلة عن العقوبة يفرضها المجتمع الذي يعيش فيه لكي يبعد شبح الجريمة ويوقف خطرها(1)، ويمثل ذلك رد الفعل الطبيعي للمجتمع الذي يدافع به عن نفسه ضد الجريمة.

3- التدابير الوقائية ( الاحترازية او الاصلاحية ) : هذه التدابير ليست عقوبات يكون القصد منها الايلام والتشفي بقدر ما هي وسيلة لقمع الجريمة في المستقبل ومكافحة الظاهرة الاجرامية، فالجريمة حدث تم في الماضي فالقصد ليس العقاب على فعل قد تم وقوعه وانتهى ليتم التفكير عنه ورد اعتبار من وقع ضده، بل المهم والمفيد والاجدر هو فرض تدبير يهدف الى الحيلولة دون وقوع الجريمة التي تضر بالمجتمع، وفي الوقت ذاته علاج الجاني بوسائل ملائمة لاتقاء خطورته الاجرامية(2).
---------------------
1) عبود السراج، المرجع السابق، رقم 29، ص26، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 16، ص37.
- وجدير بالذكر ان انصار المدرسة التقليدية يرجع اليهم الفضل في التركيز على اهمية تدابير الوقاية المانعة من الجريمة، بحيث تجعل الفرد يعيش في بيئة خالية من العوامل التي تقربه من الجريمة، وذلك برفع مستوى معيشته بجميع صورها كمعالجته من الادمان بانواعه وحمايته من التشرد والفقر والدعارة …. الخ.
2) عبود السراج، المرجع السابق، رقم 29، ص 27، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 16، ص37 وما بعدها، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 173، ص163، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص51.
- الخطورة الاجرامية حالة كامنة في الشخص، وموجودة فيه قبل ارتكاب الجريمة، فينساق المجرم الى الجريمة مدفوعا بغريزته، بمجرد وجود عوامل تهيئ له ظروف الجريمة، وبالتالي فلا مبرر للانتظار حتى يقترف الشخص الخطر جريمته ويتدخل المجتمع لعقابه عن طريق هيئاته المنوط بها تلك الوظيفة، بل ان ضرورات الدفاع الاجتماعي تفرض التحرك وبسرعة فائقة قبل وقوع الجريمة وصدها بتدابير تقمع الاجرام كالحبس والمراقبة اللاحقة والابعاد.
-------------------
ووفقا لهذه النظرية ان المجرمين لا يعاقبون بالعقوبة المعهودة. وانما تطبق عليهم تدابير الوقاية والاصلاح، فالمجرمون بالطبيعة او الميلاد ومعتادوا الاجرام، تطبق بشانهم تدابير الاستئصال او الابعاد في مستعمرة زراعية لانهم غير قابلين الاصلاح، والمجرم المجنون او المصاب بعاهة عقلية يعالج في مصحة عقلية متخصصة، والمجرم العرضي يجب في حقه تنظيم الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه حتى لا تجد العوامل المكونة للجريمة سبيلا اليه، ومن بين الاجراءات التي تتخذ حياله تسليم الحدث الى عائلة موثوق بها تتكفل برعايته، او وضعه في مؤسسة صناعية او زراعية الى غيرها من الوسائل البديلة، اما المجرم العاطفي او الانفعالي فيجب اتخاذ تدابير منشؤها التسامح بتوفير المناخ الملائم لعواطفه، ومطالبته بتعويض عادل للمجني عليه واصلاح الضرر(1).

- تقييم هذه المدرسة: يرجع الفضل للمدرسة الوضعية في توجيه الانتباه الى دراسة شخصية المجرم دراسة علمية قوامها المنهج التجريبي الذي يعتمد على الملاحظة والتجربة في دراسة الظاهرة الاجرامية والبعد عن التسليم بالافتراضات والاراء السابقة، كما بنت المسؤولية الجنائية على اساس من الخطورة الاجرامية مما قاد الى تفريد العقوبة التي تلائم كل جان على حده بتدبير احترازي واحلاله محل العقوبة (2) التي تطبق على جميع المجرمين الذين يرتكبون الفعل نفسه وذلك مما نادت به المدرسة التقليدية الجديدة، كما ان هذه المدرسة اول من نبه الى اهمية العقوبة غير محددة المدة حتى تنتهي الخطورة الاجرامية.

ولا ينكر احد ما لهذه المدرسة من اثر على التشريعات الجنائية المختلفة في العالم حيث اخذت بنظام وقف تنفيذ العقوبة والافراج الشرطي، والتدابير الاحترازية سواء أكانت منفصلة ام مع العقوبة، وجعلت انظمة عقابية تخص الاحداث الجانحين، انشات السجون المفتوحة وشبه المفتوحة، وابعاد العائدين، واعطاء القضاة سلطة تقديرية، وتخصص القاضي الجنائي، ونظام تفريد العقوبة (3)، ومن التشريعات
--------------------
1) عبود السراج، المرج السابق، رقم 29، ص27، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 173، ص 164.
2) احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 175، ص 165، محمد خلف، المرجع السابق، ص 141.
3) عبود السراج، المرجع السابق، رقم30، ص 28.
--------------------
التي تلقفت هذه المبادئ ونص عليها قانون العقوبات الايطالي الصادر عام 1930، والبولوني عام 1932، والسويسري عام 1937 وغيرها من التشريعات الحديثة (1).
غير انه يعاب على هذه المدرسة اغفالها للجريمة تماما والاثار المادية او الاجتماعية الناتجة عنها، واهتمت بشخص المجرم وذلك مما لا يتفق مع الواقع المعاش، فلولا الجريمة لما وجد المجرم(2).
واذا كان ما نادت به هذه المدرسة من ان الحالة الخطرة في حالة وجودها في أي شخص فذلك سبب رئيسي لاخضاعه لتدابير الوقاية قبل ارتكابه للجريمة، فذلك مما يعد اعتداءا صارخا على مبدا صيانة الحرية الفردية التي يجب ان يتمتع بها الفرد من منطلق الفكر الجنائي الكلاسيكي الذي نادى بمبدا شرعية الجرائم والعقوبات بحيث يفترض ان يتلقى الجاني انذارا قبل عقابه.

ومما اخذ عليها ايضا انكارها لحرية الاختيار والاخذ بمبدا الحتمية، ولاشك انها بذلك ساوت بين الانسان الذي يتميز بالعقل وبقية الموجودات منعدمة الارادة، ويترتب على ذلك انه حتى المجرم بالميلاد - الذي له خصائص عضوية ونفسية تقوده الى الجريمة- ستطبق عليه التدابير الوقائية حتى قبل ارتكابه لاية جريمة، ناهيك عما لاقته فكرة (( المجرم بالميلاد)) من نقد شديد واتخاذ تدبير حيالها يصل الى حد الاستئصال، الامر الذي يعتبر انتهاكا صارخا للحريات الفردية اذا ما اتخذت التدابير الوقائية دون ضوابط، ومدعاة لاستبداد المشرعين والقضاة والادارات المشرفة على التنفيذ العقابي على حد سواء(3).

ثم ان التفرقة التي نادى بها " لمبروزو" لتصنيف طوائف المجرمين المعتمدة اساسا على خصائص عضوية ونفسية، فانها لا تصدق في كل الحالات، فكثير من الافراد توجد فيهم بعض هذه الصفات ولكنهم غير مجرمين، فمنهم من لم يرتكب جريمة ابدا، ومن جهة اخرى فقد وقعت جرائم خطيرة من اناس لا توجد فيهم هذه الصفات وذلك مما يؤكد ان الاسس التي استند عليها" لمبروزو" غير سليمة (4)، كما
------------------------
1) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم16، ص 38.
2) انظر محمود نجيب حسني، علم العقاب، ص74.
3) احمد عوض بلال، المرجع السابق، ر قم 175، ص166.
4) احمد شوقي عمر خطوة، المرجع السابق، رقم16، ص 39.
------------------------
ان العينة التي تمثل "المجموعة الضابطة" في البحوث التي اعتمد عليها انصار المدرسة الوضعية وقعت في خطا منهجي يعرف "بالمغالطة الثنائية" عندما اعتمدوا على مسلمة مبدئية بان نزلاء السجون هم وحدهم يمثلون طائفة المجرمين، والذين خارج السجن يمثلون الطائفة الاخرى عكس الاولى، وهذا التصنيف المزدوج في الواقع لا يمت الى الحقيقة بصلة(1).

المبحث الرابع
المدارس التوفيقية
تمهيد: لاحظنا ان المدرسة التقليدية - وهي في كفة- قد بالغت في الاعتداد بالجريمة واهملت شخص المجرم مؤسسة المسؤولية الجنائية على المبدا الاخلاقي، اما الكفة الثانية فقد احتلتها المدرسة الوضعية التي بالغت في الاعتداد بشخص المجرم وحالته الخطرة واهملت الجريمة مؤسسة المسؤولية الجنائية على فكرة الدفاع الاجتماعي .

وبعد اخذ ورد وجدل طويل بين انصار النظرية التقليدية وانصار النظرية الوضعية، فقد ظهرت اراء اخرى تحاول التوفيق بين النظريتين تاخذ ما هو صواب وتبقي عليه، وتتبين اوجه النقص فتتجاوزها، وقد اشتهرت هذه الدراسات التي حاولت التوفيق بين تلك الاراء بمذهب " التوفيق" او الوسط، ونعرض فيما ياتي لاهمها وهي:
المدرسة الثالثة، والاتحاد الدولي لقانون العقوبات في الفقرتين الاتيتين:

الفقرة الاولى : المدرسة الثالثة(2)
نشات هذه المدرسة في ايطاليا، ومن ابرز رجالها اليمينا(Alimena)، وكارنفالي (Carnavale) .
------------------------
1) راجع احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 175، ص166 وما بعدها.
2) سميت بالثالثة باعتبار ان المدرسة التقليدية ( بنوعيها) هي الاولى، والوضعية هي الثانية، انظر محمود نجيب حسني، علم العقاب، ص 77.
-----------------------
حاول انصارها التوفيق بين الافكار التقليدية والوضعية وتفادي عيوب كل منهما.
واهم الاسس التي قامت عليها ثلاثة:
اولها: ان الهدف الاساسي للعقوبة هو الردع العام، متاثرة في ذلك بالمدرسة التقليدية التي قالت بحتمية الظاهرة الاجرامية في حال توافر عواملها ( الفرد + البيئة).
ثانيها: اخذت بالمبدا الذي يجمع بين العقوبة والتدبير الوقائي (الاحترازي)، فالمجرم كامل الاهلية تطبق عليه العقوبة، وناقصها تتخذ حياله تدابير الوقاية.

وبالتالي يرجع الفضل لهذه المدرسة في جمعها بين فكري الردع العام والردع الخاص محاولة التوفيق بينهما(1)، وذلك ما اخذ به كثير من التشريعات الجنائية في العصر الحديث ونص عليه في قوانين العقوبات.

الفقرة الثانية : الاتحاد الدولي لقانون العقوبات
تاسس هذا الاتحاد عام 1880 على يد ثلاثة من الفقهاء الكبار للقانون الجنائي، المعاصرين لرواد المدرسة الوضعية الايطالية وهم:
فان هامل (Van hamel) الهولندي الاستاذ بجامعة امستردام، وادولف برنس (Adolf Prins) البلجيكي الاستاذ بجامعة بروكسيل، وفون ليست (Von liszt) الالماني الاستاذ بجامعة برلين.
ومن خلال المؤتمرات الدولية التي عقدها الاتحاد، واولها تم عقده عام1889 فقد تمخض عنه ومن خلال البحث العلمي التجريبي مجموعة من الافكار والمبادئ التوفيقية: وافضل وانجح اساليب السياسة الجنائية بما فيها تصنيف المساجين، وتنظيم السجون ، فقد شجع الاتحاد اعضاءه على اجراء البحوث في السياسة العقابية الكائنة وما ستكون عليه (2).
---------------------------
1) احمد شوقي عمر أبو خطوة، المرجع السابق، رقم18، ص 40، احمد عوض بلال، المرجع السابق، 177، ص167 وما بعدها.
2) احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 178، ص169.
---------------------------
الاسس الفكرية للاتحاد :
1- يعترف انصار الاتحاد بان للعقوبة - بصفتها كجزاء، متاثرين في ذلك بالمدرسة التقليدية - اغراضا متعددة كالانذار او الاصلاح او الاستئصال.
2- كما ان انصار الاتحاد تبنوا منهج المدرسة الوضعية- العلمي التجريبي- الذي يهتم اساسا بشخص المجرم ومن ثم اختيار المعاملة العقابية التي تلائمه، وذلك بهدف اصلاحه وعلاجه لكيلا يعود الى ارتكاب الجريمة مرة ثانية، مما يقود الى فكرة التقرير التنفيذي - أي تصنيف المحكوم عليهم داخل السجون - بحسب العوامل التي تدفعهم الى ارتكاب الجريمة وذلك الى مجموعتين:

الاولى : مجموعة المجرمين بالميلاد ومعتادي الاجرام.
الثانية: المجرمون بالصدفة والذين يرجع اجرامهم الى عوامل خارجية.
3- اخذ انصار الاتحاد بالتدابير الوقائية (الاحترازية) عندما تعجز العقوبة عن الوصول الى اغراضها، أي عندما تنعدم او تنقص حرية الارادة، غير انه ينبغي الاخذ بعين الاعتبار الضمانات التي تحيط بالعقوبة ذاتها، فلا توقع بغير نص في القانون وبعد وقوع الجريمة بالفعل وعلى حكم قضائي بات(1).
غير ان انصار الاتحاد قالوا: انه يمكن اتخاد تدابير الوقاية في مواجهة الاشخاص الذين تنبأ حالتهم عن خطورة اجرامية وان لم يرتكبوا الجريمة بعد، كمدمن السكر والمخدرات، والمتشردين، هذا وقد توقف نشاط الاتحاد الدولي لقانون العقوبات اثر نشوب الحرب الكونية الاولى، وفي عام 1924 قد استانف نشاطه تحت اسم"الجمعية الدولية للقانون الجنائي" الذي يمارس الاهداف نفسها، وعلى راسها عقد مؤتمرات دورية ومناقشة ما يستجد من تطورات في علم الجريمة والعقاب، واصدار المجلة الدولية لقانون العقوبات (2).
--------------------------
1) محمود نجيب حسني، علم العقاب، ص 80 وما بعدها، احمد شوقي عمر ابو خطوة ، المرجع السابق، رقم 19، ص 41.
2) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم19، ص41، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص 53.
-------------------------
وهذه المبادئ لاقت تاييدا من قبل عدد من فقهاء القانون الجنائي الذين نجحوا في تاسيس مدارس تسير على هدى مبادئ الاتحاد وعلى راسها : "الجمعية الدولية لقانون العقوبات في باريس"، "المدرسة العملية" التي تاسست في مدريد باسبانيا على يد الفقيه سالدانا(Saldana) (1)، و"المؤسسة الفنية القانونية" التي تاسست في روما بايطاليا على يد مجموعة من الفقهاء على راسهم ما ساري (Massari)، وروكو(Rocco)، وسافاتيري (Savatiri) (2).

- تقييم الاتحاد: كرس الاتحاد جهوده للجمع بين العقوبة والتدابير الوقائية محددا نطاق تطبيق صورتي الجزاء الجنائي في كل منها مما يكفل احترام الحريات الفردية التي ينادي بها الفقهاء في هذا العصر بحيث تكون بناء على نص في القانون وبسبب الجريمة واثر حكم قضائي بات(3).
كما ان الاتحاد وقف ضد تطرف كل من السياستين الجنائية التقليدية والوضعية واخذه باحسن المبادئ والافكار التي نادى بها كل من هاتين السياستين، مما اضفى الكثير على اراء الفقهاء والتشريعات الجنائية المعاصرة، كما يولي الاتحاد التفريد التنفيذي للعقوبة وتصنيف المجرمين الاهمية المناسبة(4).

غير انه عيب على هذه الافكار عدم اتساقها، وانها مجرد حلول عملية يعوزها التسلسل المنطقي مما يؤدي الى عدم ترابطها حتى تصنع مذهبا او مدرسة فقهية، كما ان الاتحاد لم يكترث بمبدا حرية الاختيار الامر الذي يلغي فكرة العدالة كهدف اخلاقي، كما ان انصاره لم يحددوا اغراض العقوبة - الردع العام والخاص- لاسيما التوفيق بين اغراض العقوبة واغراض التدبير الوقائي من جهة اخرى (5).
----------------------
1) محمود نجيب حسني ، علم العقاب، ص80 وما بعدها، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 19، ص 41.
2) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 19، ص 41.
3) محمود نجيب حسني، علم العقاب، ص 80 وما بعدها، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 19، ص 41.
4) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 19، ص 41، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 180، ص 170.
5) محمود نجيب حسني، علم العقاب، ص 81.
----------------------
المبحث الخامس
حركة الدفاع الاجتماعي الحديث
(le mouvement de défense sociale nouvelle)

تمهيد: بعد ان وضعت الحرب الكونية الثانية اوزارها بزغ اتجاه فكري جديد يقوم على سياسة جنائية جديدة قوامها احترام ادمية الانسان باقامة حركة نظرية وعلمية هدفها اقامة العدالة الاجتماعية على اسس انسانية جديدة ويرجع الفضل في ظهور حركة الدفاع الاجتماعي الى الفقيه الايطالي (Gramatic filipo) الرائد الاول والمؤسس لهذه الحركة، حيث انشا مركزا لدراسات (( الدفاع الاجتماعي )) في ((جنوا)) بايطاليا واصدر مجلة تتحدث باسم هذه الحركة وتنشر اراءها تحت اسم ((مجلة الدفاع الاجتماعي)) ممهدا بذلك لاول مؤتمر للدفاع الاجتماعي في (( سان ريمو)) بايطاليا عام 1947 حيث كانت اول ولادة طبيعية لهذه الحركة تحت اسم ((حركة الدفاع الاجتماعي)) (1)، ومنذ ذلك الوقت ذاعت وانتشرت مبادئ هذه الحركة، حيث كان صداها يتمثل في اخذ مجموعة لا بأس بها من التشريعات (2) العقابية في القرن العشرين بتلك المبادئ.

ثم عقدت الحركة عدة مؤتمرات علمية، وعقد المؤتمر الثاني في " لييج" عام 1949 حيث اسست الجمعية الدولية للدفاع الاجتماعي برئاسة ((جراما تيكا))، وبعدها مؤتمر (( انفرست)) عام 1954، و((ميلانو)) عام 1956 حتى كان اخرها المؤتمر الدولي السابع للدفاع الاجتماعي بمدينة (( ليتنتي)) في ايطاليا عام 1966، اما على المستوى الدولي فقد انشات الامم المتحدة عام 1948 (( قسما للدفاع الاجتماعي)) يكون تابعا (( للمجلس الاقتصادي والاجتماعي)).
--------------------------
1) محمود نجيب حسني ، علم العقاب، ص 84، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص 54.
2) نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، قانون الوقاية من الجريمة الانجليزية عام1908، وقانون العقوبات الاسباني عام 1928، وقانون العقوبات النرويجي عام 1902، وقانون العقوبات السوفيتي "سابقا" عام 1919، 1926، وقانون العقوبات الكوبي عام 1936، وقانون العقوبات السويسري عام 1936، وقانون العقوبات البرازيلي عام 1940، وقانون العقوبات الايطالي عام 1930، والقانون البلجيكي للدفاع الاجتماعي عام 1930، اورده عبود السراج، المرجع السابق، رقم 39، هامش 2، ص 36.
-----------------------
اما على الصعيد العربي فقد انشئت (( المنظمة الدولية العربية للدفاع الاجتماعي)) بمقتضى الاتفاقية التي اقرها مجلس جامعة الدول العربية عام 1960، حيث عقدت حلقات عديدة في ((القاهرة )) كان اولها عام 1966، وحضرها ((جراماتيكا)) نفسه(1).
ومن الجدير بالملاحظة في هذا المقام ان مصطلح الدفاع الاجتماعي موغل في القدم حيث كان في الفلسفة الاغريقية عند ارسو، كما ان ابرز الكتاب والمفكرين قد نادوا به لحماية المجتمع من الجريمة وعلى راسهم: مونتسيكو وفولتير وبيكاريا وهوارد وبنثام.

الا انه في كل مرحلة من مراحل تطور الفكر الجنائي ياخذ مفهوما مختلفا، فكان عند المدرسة التقليدية بزعامة(( بيكاريا)) ان الدفاع عن المجتمع ووقايته من الجريمة يحقق الردع العام، وفي المدرسة الوضعية يتم الدفاع عن المجتمع ليس من شبح الجريمة وانما من المجرم ذاته، تختلف معاملة كل مجرم على حده مركزة على شكل اخر من اشكال الدفاع الاجتماعي قوامه احلال التدابير الوقائية محل العقوبة.
وللوقوف عن كثب لفهم هذه الحركة الجديدة يجدر بنا ان نبين المبادئ الاساسية التي نادت بها الحركة، عن طريق ابراز اتجاهين، احدهما متطرف نادى به (( جراماتيكا)) وثانيهما معتدل، نادى به ((مارك انسل)) (2).

الفقرة الاولى : المبادئ التي نادى بها جراماتيكا
1- الجماعة في خدمة الفرد: فالفرد هوالاساس، والمجتمع والدولة يؤلفان نظاما متماسكا لخدمته، ولحل المشاكل التي تحيط بالفرد على مختلف الاصعدة، فلا بد من طبيعة الفرد وكذلك طبيعة العلاقات بينه وبين المجتمع وكذلك الدولة - النظام
-----------------------
1) عبود السراج، المرجع السابق، رقم39، ص37، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 22، ص 44.
2) مستشار فرنسي يرجع له الفضل في ارساء وتاصيل حركة الدفاع الاجتماعي الجديد، نشر كتابه حول"الدفاع الاجتماعي الحديث" عام 1945، فقد نال هذا الكتاب شهرة كبيرة محاولا فيه التوفيق بين الاعتبارات الانسانية من جهة والاعتبارات القانونية من جهة اخرى، وقد لاقت هذه الحركة قبولا واسعا من قبل جانب كبير من الفقهاء في فرنسا وفقهاء من بلدان العامل.
----------------------
السياسي - فالانسان يتطلع الى اشباع حاجاته ورغباته التي كثيرا ما تصطدم بالقيود والضوابط التي يفرضها المجتمع عليه، وهو في الوقت ذاته في حاجة ماسة الى المجتمع باعتبار الانسان مدنيا بالطبع، وعلى ذلك تعمل الدولة على تحقيق التوازن بين رغبات الفرد وبين القيود المفروضة من قبل المجتمع، واضعة نفسها في خدمة الفرد، وفي الوقت نفسه يجب الا تتعسف في تقييد حريات الافراد ليتكيف اولئك الافراد داخل المجتمع، الامر الذي يؤدي الى تاهيلهم واصلاحهم للدخول في معترك الحياة الاجتماعية لتحقيق صالح الفرد الذي هو جزء من المجتمع (1).

2- قدرة الفرد على الانحراف الاجتماعي : يركز ((جراماتيكا)) على الجوانب الشخصية للفرد، وان اهليته لمناهضة المجتمع تتكون من مجموعة الظروف البيولوجية والنفسية التي تجعل الفرد من الناحية القانونية بافعاله مناهضا للمجتمع الذي يعيش فيه، وبذلك نادى بربط المسؤولية الجنائية بحالة مرتكب الجريمة النفسية والصحية والاجتماعية، أي مدى قدرته على الفهم والادراك للوصول الى تحديد مدى قدرته على الانحراف الاجتماعي وعدائه للمجتمع، وبالتالي يكون من حق الفرد ان تتكيف حياته النفسية داخل مجتمعه، ومن واجب المجتمع توفير تلك البيئة حتى تتوافق حياته النفسية مع حياته الاجتماعية(2).

3- التدابير الاجتماعية : يركز(( جراماتيكا)) على تدابير الدفاع الاجتماعي مؤسسا اياها على عامل الانحراف الاجتماعي، فهو يدعو الى الغاء القانون الجنائي بكل ما فيه من افكار تقليدية- العقوبات بانواعها والتدابير الوقائية ايضا- واستبدالها بنظام جديد وهو قانون الدفاع الاجتماعي الذي يهدف الى اعادة تاهيل الفرد اجتماعيا أي تكييفه حتى ينصهر في الحياة الاجتماعية التي تواضع الناس عليها، فهو على هذا النحو قد استبدل مفاهيم جديدة تلغي كل ما هو معهود منها، فالجريمة هي الانحراف الاجتماعي، والمجرم هو المناهض للمجتمع، واستبدل فكرة التكيف الاجتماعي بدلا من فكرة المسؤولية الجنائية.
--------------------------------
1) محمد خلف، المرجع السابق، ص 156، عبود السراج، المرجع السابق، رقم 41، ص 38.
2) محمد خلف، المرجع السابق، ص 157، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 22، ص 45، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص57.
------------------------------
وبذلك فان الدفاع الاجتماعي يمثل فرعا اخر من فروع القانون مبنيا على نظام وقواعد معينة، وتطبيقه يتسع عن مجال القانون الجنائي التقليدي، لانه يستهدف تقويم الجاني عن طريق اصلاحه وتاهيله اجتماعيا(1).

4- الانحراف الاجتماعي : استبدل ((جراماتيكا)) فكرة المسؤولية الشخصية التي نادت بها المدرسة التقليدية، والخطورة الاجرامية والخطورة الاجتماعية التي اخذت بها المدرسة الوضعية، بفكرة اخرى هي الانحراف الاجتماعي او مناهضة المجتمع، وتتمثل في الوصف الذي يطلق على سلوك الافراد عندما يخالف قاعدة قانونية امرة او ناهية (2).

- تقييم هذه الحركة : يرجع الى الفضل في الاهتمام بفحص شخصية المجرم، لكي تتم معرفة العوامل المؤدية الى انحرافه الاجتماعي ويتسنى اصلاحه بتقرير تدابير الدفاع الاجتماعي التي تلائمه وكذلك تنفيذها باجراءات مناسبة له، كما ابرز الدور الاصلاحي لتدابير الدفاع الاجتماعي وتحديدها على مبادئ علمية ضمن الظاهرة الاجرامية (3).
الا انه قد عيب عليه تطرفه واهداره لمبدا القانونية بالغائه فكرة الجريمة والعقوبة، بل نادى بالغاء القانون العقابي والقضاء الجنائي برمته وافساح المجال امام مبدا الدفاع الاجتماعي لكي يسود بدلا من ذلك، الامر الذي يلغي ضمانات الحماية القضائية التي حصل عليها الانسان عبر نضاله الطويل كحماية الحريات الفردية التي يصبو اليها كل فرد، كما اخذ عليه ايضا اخذه بافكار شمولية غير محددة يكتنفها الغموض كما يصعب فهمها مثل فكرة اعادة التكييف الاجتماعي، والانحراف الاجتماعي، والفرد المناهض للمجتمع، بدلا من الافكار الواضحة والمتعارف عليها مثل الجريمة والمجرم والعقوبة، والمسؤولية الجنائية (4).
---------------------------
1) محمد خلف، المرجع السابق، ص 157، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 22، ص 44، وما بعدها.
2) عبود السراج، المرجع السابق، رقم 41، محمد خلف، المرجع السابق، ص 157.
3) محمد خلف، المرجع السابق، ص 158.
4) عبود السراج، المرجع السابق، رقم 41، ص 39، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 22، ص46.
--------------------------

الفقرة الثانية : مارك آنسل
" مارك انسل" يمثل الجناح المعتدل لحركة الدفاع الاجتماعي، ونلخص فيما ياتي الاسس التي يقوم عليها مذهبه في هذه الحركة:
1- ينبع مذهب"مارك انسل" و"جراماتيكا" من منطلق فلسفي واحد قوامه اعتبار الفرد (المجرم) محور النظرية السياسية للدفاع الاجتماعي التي تسعى الى دراسة شخصية المجرم بكافة جوانبها، البيولوجية والاجتماعية والنفسية لكي تصل الى الظروف التي دفعت به الى هذه الجريمة حتى يمكن تحديد انسب الطرق لمعاملته وتاهيله اجتماعيا(1).

اضافة الى ذلك يمكن الوصول لفهم اعمق وأدق لشخصية المجرم باعداد ملف خاص يضم جميع الدراسات والبحوث والفحوصات التي اجريت له بتعاون من عدة خبراء واختصاصيين ليستطيع القاضي اختيار نوع المعاملة العقابية التي يخضع لها.

2- لم تطالب حركة الدفاع الاجتماعي بالغاء قانون العقوبات بفروعه المختلفة، بل يجب ان يخدم هذا القانون المجتمع ويحمي في الوقت ذاته الفرد من الانزلاق في مهاوي الاجرام بالوقوف ضد الجريمة بوسائل علمية لتكييف الفرد داخل المجتمع ادبيا واجتماعيا بالاستعانة بالعلوم الانسانية من طب بانواعه وعلم نفس وعلم اجتماع وعلم عقاب، كما يعترف "مارك انسل" بمبدا شرعية الجرائم والعقوبات وما ينجم عن ذلك من خطر انتهاك الحريات الفردية، ولا يقر عقوبة الاعدام لمنافاتها للقيم الانسانية (2)، وكذلك التدابير الوقائية التي تسبق ارتكاب الجريمة(3).

3- تلتقي هذه الحركة بالفقه الوضعي التقليدي من حيث ان المسؤولية الجنائية يجب ان تؤسس على الخطا القائم على حرية الارادة، غير انها لا تقر بان هذه
----------------------
1) عبود السراج، المرجع السابق، رقم42، ص 40، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 23، ص 47.
2) على حد زعمه.
3) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 23، ص47.
----------------------
المسؤولية تعد اساسا لقيام النظام الجنائي، وانما هي الغاية او الهدف من ذلك النظام، وبالتالي فان معاملة المحكوم عليه يجب ان تحقق نظام الوقاية من الجريمة وعلاج المدمنين بوضع اجراءات منظمة، تستهدف تنشئة الجانح تنشئة اجتماعية تحول بينه وبين الجريمة مستقلا باحساسه بقيمه وكرامته الانسانية والاجتماعية(1).

- تقييم حركة الدفاع الاجتماعي الحديث: تميزت هذه الحركة بنزعتها الاخلاقية العالمية التي تهدف الى خلق انسان جديد عن طريق تنشئته وتاهيله اجتماعيا بالاستخدام الامثل للوسائل العلمية الحديثة في معالجة الجانحين واحترام حقوقهم الاساسية، للوصول الى مجتمعات تنكمش فيه الجريمة الى ادنى مستوى، وتعتبر حركة تقدمية لارتباطها الوثيق بعلم الاجرام ومحاولتها خلق تضامن وثيق بين المسؤولية الخلقية والمسؤولية الجنائية، مما جعل رجالات القانون يلتفون حولها وتبني العديد من التشريعات بعض مبادئها(2).

غير انها لم تسلم من العيوب حيث يؤخذ عليها:
1- انها نادت بافكار تفتقر للاساس المنطقي حيث يصعب جمعها في نظرية واحدة لتجعل منها مدرسة قائمة بذاتها.
2- خلطها بين العقوبة والتدابير الوقائية (الاحترازية) وعدم فصلها عن بعضها على الرغم من اختلاف غرض كل منها، ويلاحظ ان ازدواجية الجزاء الجنائي اصبحت ضرورة لا غنى عنها في الوقت الراهن.
3- انه اهملت لما للعقوبة من جزاء اخلاقي ووظيفتها في تحقيق مقتضيات الردع العام.
4- كما ان حركة الدفاع الاجتماعي الحديث في دعوتها الى تقويم المجرم وتاهيله اجتماعيا قبل ان يسبق ذلك انذار له على ما اقترف من ذنب، فذلك تناقض يسلب الجريمة من مضمونها الاخلاقي مما يسبب اختلالا بالقيم الاجتماعية التي تسود
-----------------------
1) محمد خلف، المرجع السابق، ص 160، احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 23، ص 47، العلمي عبد الواحد، المرجع السابق، ص 58.
2) عبود السراج، المرجع السابق، رقم43، ص42، محمد خلف، المرجع السابق، ص 161.
----------------------
في المجتمع ويجرد الاحساس الاجتماعي من المسؤولية الذي يعتبره اغلب علماء الاجتماع حقيقة اجتماعية يجب اخذها بعين الاعتبار في دراسة كل ظاهرة اجتماعية (1).

المبحث السادس
الفكر التقليدي الجديد المعاصر
( Néo classicisme contemeporain)

تمهيد : ظهر في العصر الحديث - أي في النصف الاخير من القرن العشرين - اتجاه فكري معاصر يهدف الى التوفيق بين السياسة التقليدية وسياسة الدفاع الاجتماعي، وهو الذي يتربع على قمة الهرم في الوقت الحاضر ويسمى بالاتجاه الجديد المعاصر .
يرى هذا الاتجاه ان الفكر التقليدي جيد في ذاته الا انه يحتاج الى اعادة صياغة وتاصيل جديدين وفقا لذاتيه التي تملك العديد من الافكار والاراء الصائبة في البعض منها.

وينادي بهذا الاتجاه عدد من فقهاء القانون الجنائي المعاصر الذين لعبوا دورا كبيرا في هذا العصر وعلى راسهم سالي (Sally)، وليفاسور (Levasseur)، وريتشارد (Richard) وميرل (Merle)، ولارجييه (Larguier)، وليوتيه (Léaute)، وفرانشيمون (Franchimont)، وايدالوا (Aydalot) (2).

الاسس التي يقوم عليها هذا الاتجاه :
1- تمسك انصار هذا الاتجاه بالابقاء على فكرة الجزاء الجنائي، بحيث يحتفظ بصفته التقليدية كمقابل للجريمة، وعلى ذلك فهم ينادون باهمية ابقاء المسؤولية الجنائية كاساس للمحاكمة القضائية .
-----------------------
1) لمزيد من الاطلاع على عيوب هذه الحركة، راجع في هذا المعنى، احمد شوقي عمر ابو خطوة المرجع السابق، رقم 23، ص 49، عبود السراج، المرجع السابق، رقم 43، ص 42 وما بعدها، احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 186، ص 176 وما بعدها .
2) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 24، ص 49 وما بعدها..
-----------------------
بمعنى ان تبقى العقوبة كمقابل عادل للجريمة، لان الضرورة الاجتماعية تتطلب الابقاء على تلك الخصائص من اجل تنمية الشعور الفردي واحساسه بالمسؤولية، الامر الذي جعل الابحاث الحديثة سواء في طب الامراض العقلية ام النفسية تؤكد ايضا على ضرورته، كما ان الاحساس الشعبي الذي يكون داخل كل فرد يؤكد ايضا على ضرورة مساءلة المجرم عما ارتكبه من ذنب لينال جزاءه العادل، وهذه المعاني وغيرها ستهدر في حالة ما اذا غلب على الجزاء صفة التهذيب او الاصلاح والتاهيل دون العقوبة (1).

وهذه العقوبة التي تكون مترتبة على ارتكاب الفعل الذي يعد جريمة بمعنى ان المسؤولية الجنائية لا ترتبط بالضرورة بالمسؤولية الاخلاقية، ولا بين هذه الاخيرة وحرية الاختيار(2)، ومن ناحية اخرى فانه لا يمكن انكار الدور الذي تمارسه فكرة الجبرية او الحتمية على حرية الاختيار عند الانسان، فالمسؤولية الجنائية ينبغي ان تبقى بحيث لا تخضع لتاثير الماضي فقط وانما حتى المستقبل، فالجريمة يتم تقديرها في لحظة وقوعها وما يترتب على ذلك من جزاء جنائي معاقب عليه في ذلك الوقت فيتم تقديرها على هذا النحو، فاختيار العقاب يتطلب ان تتوافر فيه اعتبارات واقعية لا تستند الى حرية الاختيار ودرجة المسؤولية فقط، وانما بالنظر الى مدى قدرة الجاني على تحمل العقوبة التي يتم توقيعها عليه وبالتالي الاستفادة منها في المستقبل، فاذا كانت المسؤولية عن الخطا - حسب راي الفكر التقليدي- هي مناط العقاب فان قدرة الجاني على تحمل العقوبة هي التي يجب ان تكون مجالا للبحث عن معيار العقاب الذي يتم تطبيقه عليه(3).

2- تترتب نتائج جد مهمة على الراي السابق الذي يبقى على العقوبة صفتها كجزاء يقابل الجريمة ومن اهمها:
-----------------
1) احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 188، ص 178.
2) انصار هذا الاتجاه لا ينكرون فكرة الجبرية (الحتمية) وذلك خلافا للفقه التقليدي المتمثل في المدرسة الوضعية.
3) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم24، ص 50 احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم188، ص 178.
----------------
انه بسبب الجريمة تقرر الادانة التي ينبغي ان يتم دورها في هذا الاطار ولا يمتد الى مرحلة اختيار تنفيذ العقاب الذي يجب ان تحيطه عوامل تتعلق بشخص المحكوم عليه، وللوصول الى ذلك فانه يتعين جمع بيانات كاملة عن شخصية الجاني - عضوية، نفسية، اجتماعية- يكون بمثابة ملف كامل توضع تحت تصرف القاضي قبل النطق بالعقوبة حتى يراعي ظروف تلك الشخصية الماثلة امامه لكي يوقع عليها العقوبة المناسبة، وهناك راي يقول : بارجاء ذلك الفحص لشخصية المحكوم عليه اثناء مرحلة التنفيذ الاداري باعتبار ان خصائص هذه الشخصية لا يمكن التعرف اليها بدقة الا في هذه المرحلة، اضافة الى شغل القاضي عن مهامه القانونية.

كما رفض انصار هذا الاتجاه مفهوم العقوبة باعتبارها مقابل عادل للجريمة كما نادت به المدرسة التقليدية الجديدة، وسبب ذلك يعود الى ان العقوبة عندما ترتبط بالمسؤولية الاخلاقية فذلك امر يؤدي بلا شك الى كثرة اصدار احكام قصيرة المدة، وتلك لا تؤدي الى معاملة عقابية جدية، كما ان رفض العقوبة كمقابل للجريمة - وعدم اطلاقه على عواهنه - يجنب مشاكل عديدة تنتج عن ذلك الارتباط بين العقوبة والمسؤولية بسبب الظروف المخففة والمشددة التي يستخدمها القضاة في الاحكام قصيرة المدة.

وبذلك فليس هناك ما يدعو الى ربط حتمي بين درجة المسؤولية الاخلاقية ومدة العقوبة، بحيث اذا تم اخضاع المحكوم عليه لمعاملة عقابية معينة فانه يفترض استمرارها حتى ينتهي الهدف منها، وبالتالي فانه لا خوف من اصدار عقوبات طويلة المدة في الحدود القانونية، ولكن يتم العفو عن المحكوم عليه، او الافراج عنه تحت شرط عندما يتم تاهيله فعلا(1).

وعليه فان انصار هذا الاتجاه نجحوا في الابقاء على العقوبة كمقابل للجزاء الجنائي دون قياسها بطريقة مجردة على مدى حرية الاختيار، وفي الوقت نفسه الابقاء على دورها في الاصلاح والتقويم عند تنفيذها على المحكوم عليه(2).
------------------
1) احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم 189، ص 179.
2) احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 24، ص 50.
-----------------
3- من الاهداف المهمة التي يسعى الى تحقيقها الاتجاه الجديد المعاصر، الاخذ بما في قانون العقوبات من مزايا مفيدة لا يستطيع احد انكارها، وما يتمخض عنه من نتائج الدراسات العلمية الفقهية في مجال القانون وعلم الاجرام والعقاب حتى تتم الاستفادة المرجوة منها داخل الاطر التي تتركب منها المعاملة العقابية على المحكوم عليه التي تضفي عليه استفادة من جراء قضاءه لتلك المدة بما يقضي لتاهيله واصلاحه لكي يشق طريقه في المجتمع الى المستقبل بنجاح (1).

4- من الدعامات الاساسية لما نادى به هذا الاتجاه ضرورة توفير شروط واجراءات تهدف الى احترام الحريات الفردية التي ينشدها كل فرد في المجتمع ضد شطط السلطة العامة، وعدم الافراط في خلع هالة من تقديس العمل الفني والعلمي على قانون العقوبات يؤدي الى اعطاء تلك السلطة حقوقا جائرة تشكل خطرا حقيقيا على تلك الحريات بجعل رقابة مشددة على حرية كثير من الافراد بحجة خطورتها وضرورة مواجهتها بتلك الاجراءات لقمع الجريمة، كما ان تاهيل المحكوم عليه يستوجب تدخلا اوسع واشمل لاقحامه في الحياة الاجتماعية وتكييفه فيها، ليس من خلال التاثير على سلوكه فقط وانما من خلال ما يفهمه للعلاقات الاجتماعية ودفعه الى الامام حتى يتقبل تلك القيم والاتجاهات التي تسود في الجماعة التي يكون هو احد اعضائها(2).

- تقييم الفكر التقليدي الجديد المعاصر:
1- ينادي انصار الفكر التقليدي الجديد المعاصر بضرورة تفريد العقوبة اثناء تنفيذها حسب شخصية المحكوم عليه، متاثرين في ذلك بافكار الفقيه الفرنسي "سالي" عندما نشر كتابة" تفريد العقوبة" عام 1898، وهو ما نادت به ايضا حركة الدفاع الاجتماعي.
2- يتمسك انصار هذا الاتجاه بان فكرة الجزاء الجنائي (العقوبة) تعتبر تكفيرا عن الذنب، وهو ما نادت به المدرسة التقليدية.
------------------
1) احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم191، ص 180.
2) احمد عوض بلال، المرجع السابق، رقم191، ص 180.
------------------
غير انه يؤخذ عليه عدم اخذه بالتدابير المانعة من الجريمة قبل وقوعها التي تواجه بها الخطوة الاجرامية .
كما اعتبر التدبير التنفيذي عوضا عن التدابير الوقائية (الاحترازية)، فالقاضي وظيفته النطق بالعقوبة ولا ينشغل باختيار المعاملة العقابية الملائمة للمحكوم عليه، وانما سلطة التنفيذ هي المنوط بها ذلك في اختيار الاسلوب العقابي الذي يلائم شخصية المحكوم عليه وذلك باشراف قاضي التنفيذ وتحت مسؤوليته(1).
-----------------
1) راجع احمد شوقي عمر ابو خطوة، المرجع السابق، رقم 24، ص 50 وما بعدها.
-----------------
* مجلة المحاكم المغربية، عدد 89، ص 90.

استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى