مراسلة الادارة
من هنا

شاطر
اذهب الى الأسفل
avatar
محمد انوار

ذكر السمك النمر
مشآرڪآتي : 849
عُمرِـے• : 44
نِقاطے• : 5313
تاريخ التسجيل : 10/02/2010
http://www.google.com

وسائل الاثباث في القانون المغربي.

في الخميس 9 سبتمبر - 3:19
وسائــــل الإثبـــــــــات

لقد نظم هذا القانون وسائل الإثبات في المواد من 286 إلى 296، وأعاد تكريس نفس المقتضيات القانونية الواردة في قانون المسطرة الجنائية لسنة 1959 مع تغييرات مست أساسا صياغة بعض النصوص لتصبح بذلك منسجمة مع ما تمخض عنه العمل القضائي في تفسيره لتلك الفصول وتطبيقه لها، وكذا إضافة بعض المبادئ التي نصت عليها العهود والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان اتساقا مع ما نصت عليه ديباجة الدستور المراجع سنة 1992 "من أن المغرب يلتزم باحترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا."

وجدير بالإشارة أن هذا القانون قفز قفزة نوعية نحو إرساء مبدأ محوري من مبادئ المحاكمة العادلة والذي تضمنته كل العهود والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، وهو مبدأ قرينة البراءة، إذ نصت المادة الأولى من القانون المذكور على أن "كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا بمقر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية.

يفسر الشك لفائدة المتهم".

وقد أكدت ديباجة هذا القانون كذلك على أن تخصيص مادة من مواد هذا القانون لقرينة البراءة جاء تكريسا لما تضمنه الدستور من أن المملكة المغربية تتعهد "بالتزام ما تقتضيه المواثيق الدولية من مبادئ وحقوق وواجبات وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا". وأشارت في سياق ذلك إلى مقتضى المادة الحادية عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكذا المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وقد أشادت جل التدخلات أثناء مناقشة هذا القانون أمام مجلس النواب بإقرار هذا المبدأ الأساسي في صلب القانون، واعتبره أحد المتدخلين "من أهم المستجدات التي أتى بها مشروع القانون، وتعبر عن رغبة وإرادة في المضي في مفهوم تحديث القانون في ظل مشروع مجتمعي متكامل حداثي اجتماعي وديمقراطي".[1]

وغني عن البيان، أن إقرار هذه القاعدة القانونية جاء أيضا تكريسا لما جرى عليه العمل القضائي ببلادنا.

وما يهمنا في هذا الصدد هو ارتباط المبدأ المكرس في المادة الأولى من هذا القانون بالمواد المنظمة لوسائل الإثبات وبنظام الإثبات الذي تبناه المشرع المغربي في الخصومة الجنائية، إذ هذه المواد وسائل لأجرأة مبدأ البراءة.

وفي سياق هذه الفكرة نص المشرع المغربي على ثلاثة مبادئ رئيسية تحدد الملامح الأساسية لنظام الإثبات الذي تبنته المسطرة الجنائية وهي :

Ãالمبــدأ الأول : تضمنته المادة 286 التي نصت على ما يلي :

"يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات، ما عدا في الأحوال التي يقضي القانون فيها بخلاف ذلك، ويحكم القاضي حسب اقتناعه الصميم، ويجب أن يتضمن المقرر ما يبرر اقتناع القاضي وفقا للبند 8 من المادة 365 الآتية بعده.

إذا ارتأت المحكمة أن الإثبات غير قائم صرحت بعدم إدانة المتهم وحكمت ببراءته".

ومقتضى هذا المبدأ إطلاق الحرية للقاضي الجنائي في تكوين قناعته إلى وجدانه وإلى ما اطمأن إليه صدق ضميره دون أن يكون ملزما بتقديم وسيلة من وسائل الإثبات على غيرها ؛ كما يخول هذا المبدأ للقاضي الجنائي إمكانية البحث عن أدلة الإثبات بنفسه من خلال ما خوله له القانون من صلاحيات استنطاق المتهم وانتداب الخبراء من تلقاء نفسه وإجراء المعاينات التي يراها ضرورية ومفيدة للكشف عن حقيقة الجريمة.

وهذا المبدأ ليس جديدا على النظام القانوني المغربي، بل نص عليه الفصل 288 من ق.م.ج لسنة 1959، غير أن المادة 286 من القانون الحالي أضافت عبارة "وجوب أن يتضمن المقرر ما يبرر اقتناع القاضي وفقا للبند 8 من المادة 365 الآتية بعده."

والبند المعني بالإحالة ينص على وجوب أن يتضمن كل حكم أو قرار أو أمر الأسباب الواقعية والقانونية التي ينبني عليها الحكم أو القرار أو الأمر ولو في حالة البراءة.

فما هي الدواعي التي دفعت بالمشرع إلى إضافة هذه العبارة ؟

لقد كتب بعض الفقهاء عند دراستهم لقانون الإثبات، أن هذا الأخير، لا يجد مبرر وجوده، كمؤسسة قانونية، في ضرورة البحث عن الحقيقة فقط، ولكن أيضا وبدرجة أكبر، في حاجة الأجهزة القضائية إلى إعطاء القرارات والأحكام التي تصدرها الشرعية اللازمة تحت ستار القواعد القانونية التي تنظم المنهجية الموضوعية للبحث عن الحقيقة ؛ وبمعنى آخر، فإن هذه الأخيرة تسعى من وراء تقنيات وقواعد قانون الإثبات، إلى أن تحظى الأحكام التي تصدرها بالقبول لدى الناس.[2]

Ãالمبــدأ الثانــي : تضمنته المادة 287 ؛ وهذه المادة لا تختلف في صياغتها عن الفصل 289 من ق.م.ج لسنة 1959 ما عدا تعويض كلمة "القاضي" بكلمة "المحكمة" في النص الجديد والذي جاء فيه : "لا يمكن للمحكمة أن تبني مقررها إلا على حجج عرضت أثناء الجلسة ونوقشت شفهيا وحضوريا أمامها".

وهذا المقتضى القانوني جاء في سياق تكريس ما أكدت عليه العهود والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان من ضرورة أن تتم المحاكمة في جو من العلنية، وبحضور أطراف الخصومة الجنائية، وأن يخول لكل طرف فيها مناقشة وسائل دفاع الطرف الآخر، وأن يستعرض بدوره أوجه دفاعه، وأن تتم كل المناقشات شفويا أمام المحكمة حتى يتمكن القاضي من تكوين قناعته الوجدانية ؛ وهذا المبدأ مرتبط تاريخيا بظهور مبدأ حرية الإثبات.[3]

Ãالمبــدأ الثالــث : نصت عليه المادة 288 التي جاء فيها :

"إذا كان ثبوت الجريمة يتوقف على دليل تسري عليه أحكام القانون المدني أو أحكام خاصة، تراعي المحكمة في ذلك الأحكام المذكورة".

فالأصل أن كل التصرفات المدنية يتم إثباتها وفقا لقواعد القانون المدني والذي حصر وسائل الإثبات بموجب الفصل 404 من ق.ل.ع فيما يلي :

1) إقرار الخصم ؛

2) الحجة الكتابية ؛

3) شهادة الشهود ؛

4) القرينة ؛

5) اليمين والنكول عنها.

ثم حددت الفصول من 405 إلى 460 أحكام كل وسيلة من وسائل الإثبات المذكورة ؛ ولذلك فمن البديهي أن يلجأ القاضي الجنائي إلى القواعد المضمنة في هذه الفصول كلما توقف ثبوت الجريمة على دليل تسري عليه أحكام هذه القواعد.

غير أن ما يسترعي الانتباه بخصوص المادة 288، هو اختلافها عن صيانة الفصل 290 من ق.م.ج لسنة 1959، وذلك بإضافة عبارة "أحكام خاصة" بعد عبارة "أحكام القانون المدني" ؛ فما المقصود من ذلك ؟

فمن جهة، إن هذه العبارة قد تنصرف إلى أي مجال خص له المشرع أحكاما خاصة بموجب القانون المنظم له كالمعاملات التجارية التي ينظمها القانون التجاري ؛ ومن جهة ثانية، فإن هذه العبارة قد تندرج بداخلها الأحكام التي استحدثها المشرع المغربي في صلب هذا القانون والمتعلقة بالتقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد، والتي أفرد لها مقتضيات خاصة في المواد من 108 إلى 116 ؛ باعتبار أن هذه المواد نصت على شروط وأوضاع معينة تكون فيها هذه المكالمات والاتصالات منتجة في الإثبات أمام القضاء الجنائي.

هذه إذن أهم المبادئ القانونية التي تهيمن على نظام الإثبات في هذا القانون، والتي تم تكريسها بشكل أكثر وضوحا وانسجاما مع ما أفرزه العمل القضائي والتطور التكنولوجي ورغبة المغرب في الرقي بنظامه القانوني إلى مصاف الدول المتقدمة عن طريق إقرار قواعد المحاكمة العادلة كما عرفتها العهود والمواثيق الدولية.

ننتقل بعد هذا التمهيد إلى استعراض الأحكام التي خص بها المشرع المغربي وسائل معينة من وسائل الإثبات في الميدان الجنائي، إما نظرا لأهميتها أو نظرا لما تثيره من لبس وغموض فـي التطبيق ؛ وهذه الوسائل هي :

- المحاضر والتقارير التي يحررها ضباط وأعوان الشرطة القضائية والموظفون والأعوان المكلفون ببعض مهام الشرطة القضائية.

- الاعتراف.

- الخبرة.

- شهادة الشهود.

أولا : المحاضر والتقارير المنجزة أثناء البحث التمهيدي



لقد عالج القانون الحالي هذا الموضوع في المواد من 289 إلى 292 ؛ ويلاحظ من قراءتها أنها كرست نفس التقسيم الذي أورده قانون المسطرة الجنائية لسنة 1959 بالنسبة لحجية هذه المحاضر أمام القضاء الجنائي وحافظت على نفس المفهوم القديم للمحضر من خلال قوته في الإثبات، وذلك بالتمييز بين ثلاث مستويات :

المستـوى الأول : محاضر تعتبر مجرد بيانات ولا تلزم القاضي، وأهمها المحاضر المحررة بشأن أفعال تعتبر جناية.

المستوى الثانـي : محاضر يوثق بمضمونها إلى أن يثبت ما يخالفها بأي وسيلة من وسائل الإثبات.

فالمادة 290 جاءت لتكريس نظرة المجلس الأعلى في تحديد مفهوم إثبات ما يخالف المحضر بجميع وسائل الإثبات، على اعتبار أن هذه الوسائل كلها متساوية من حيث القيمة بخصوص إثبات الجنح والمخالفات، وللمحكمة الأخذ بأي واحدة منها تطمئن إليها مع تعليل وجه ذلك ؛ إذ لا ضير من استعمال الشهود أو تقرير الخبرة، أو قرائن قوية تضمنها المحضر نفسه كتناقض أجزائه أو تناقض محاضر منجزة بشأن واقعة واحدة.

ومن تطبيقات مستجدات المادة 290 في اعتبار أي وسيلة من وسائل الإثبات منتجة في إثبات عكس الوارد بالمحضر في ميدان الجنح والمخالفات :

- قرار عدد 59 (س 12) بتاريخ 9 يونيو 1969 (م.ق.ق عدد 107 مارس-أبريل 1970 ص 369) والذي جاء فيه "لم يحدد القانون نوعية الحجج التي يكون من شأنها أن تعارض مضمن محاضر ضباط الشرطة القضائية" ؛ إذ ذهب المجلس إلى إتاحة الفرصة لاستعمال أي دليل مقنع لإثبات ما يخالف المحضر.

المستوى الثالـث : محاضر لا يمكن إثبات ما يخالفها عن طريق دعوى الزور.

ومن النصوص الخاصة التي أشارت إلى الموظفين وأعوان الإدارات والمرافق العمومية الذين لا يمكن أن يطعن في محاضرهم إلا بالزور المادة 242 من مدونة الجمارك والتي أكدت على حجية المحاضر التي يحررها عونان للإدارة أو أكثر بشأن المخالفات التي تنص عليها المدونة المذكورة ؛ كما تم إضفاء نفس الحجية على المحاضر التي يحررها أعوان إدارة المياه والغابات ؛ وهو ما أكد عليه قرار المجلس الأعلى رقم 333 بتاريخ 5 يبراير 1962 في القضية عدد 9417 المنشور بمجلة القضاء والقانون عدد 54 لسنة 1962 وذلك تطبيقا للمادة 82 من ظهير 11-4-1962.

ويبرر الفقه هذه الحجية بصعوبة الإثبات في الميادين التي تنصب عليها تحريات هؤلاء الأعوان بوسائل أخرى كالشهادة والقرائن والاعتراف ؛ ويضيف إلى ذلك أيضا كثرة هذه المحاضر والتي تتعلق

في أغلبها بمخالفات يتعذر فيها جمع الأدلة الكافية للإدانة بسبب استحالة المحافظة على الأدلة السريعة الزوال أو الحصول على الشهود الذين يثبتون مشاهدتهم لوقائع النازلة.

ورغم ذلك أحاط المشرع عمل الشرطة القضائية بمراقبة مستمرة من لدن النيابة العامة من خلال تتبع الإجراءات المتخذة من قبل ضباطها ؛ وهو ما أكدته المادة 45 وهي تستعرض مهام وكيل الملك، وما أوكلته إليه من مسؤولية تسيير ومراقبة أعمال الضابطة القضائية، هذه المهام التي تشكل في حد ذاتها ضمانة لمصداقية المحاضر.

يبقى التساؤل المطروح : ماذا عن مخالفة المحاضر لقواعد صحتها ؟

الملاحظ أن الأمر تجاذبه عبر الدراسات الفقهية تياران :

1- تيار رافض لإقرار البطلان ؛ ويمثله القانون الأنجلوساكسوني للعلل الآتية :

أ‌- إقرار الجزاء التأديبي الجنائي والمدني على ضباط الشرطة القضائية كاف.

ب‌- من شأن إقرار البطلان تعطيل حق الدولة في العقاب.

ج - بناء البراءة على بطلان المحضر حتى ولو ثبتت صلة المتهم بالجريمة ليس من العدالة

الجزائية في شيء.

د- تقرير البطلان هو تعبير عن قصور الجزاءات المدنية التأديبية والجنائية في مواجهة ضابط

الشرطة القضائية المقصر.

2- تيار مؤيد لجزاء البطلان ؛ ويمثله القانون اللاتيني للأسباب التالية :

أ‌- البطلان يمنح للقواعد المسطرية قوتها الإلزامية.

ب‌- العدالة ليست هي تأسيس الأدلة على أدلة منتزعة بطرق غير مشروعة.

ج - جزاء البطلان يجعل سلطة التحقيق تتخوف منه وهو ما يجعلها تحتـرم الإجـراءات

المسطرة.

د - الجزاء نسبي خاصة إذا ما تعلقت المخالفة بأمر فرعي.

ه - الشرعية الجزائية تميز دولة القانون.

أما موقف هذا القانون فقد عبرت عنه المادة 751 التي جاء فيها "كل إجراء يأمر به هذا القانون ولم يثبت إنجازه على الوجه القانوني يعد كأنه لم ينجز وذلك مع مراعاة مقتضيات الفقرة الثالثة من المادة 442 المتعلقة بجلسات غرفة الجنايات".

- إذ تشير المادة 442 إلى قرينة استكمال الإجراءات حين الإعلان عن اختتام المناقشات ؛

- نفس القرينة أشارت إليها المادة 305 الفقرة الأخيرة فيما يتعلق باختتام المناقشات أمام المحكمة الابتدائية.

الملاحظ أن المادة 751 كرست ما سار إليه قرار المجلس الأعلى تطبيقا للمادة 765 ق.م.ج لسنة 1959 الموازية للمادة أعلاه، إذ جاء فيها " وبناء على الفصل 765 من ق.م.ج فإن كل إجراء يأمر به القانون ولم يثبت إنجازه على الوجه القانوني يعد كأن لم يكن" قرار عدد 4879 بتاريخ 19 يونيو 1986 ملف حنائي 15298/85 ؛ م.ق.ق عدد 138 سنة 1988.

ثانيـا : الاعتــراف

نصت المادة 293 : "يخضع الاعتراف كغيره من وسائل الإثبات للسلطة التقديرية للقضاة.

لا يعتد بكل اعتراف ثبت انتزاعه بالعنف والإكراه.

وعلاوة على ذلك، يتعرض مرتكب العنف والإكراه للعقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي".

فالاعتراف عموما هو إقرار المتهم على نفسه بأنه ارتكب الجريمة. وهو نوع من الشهادة على النفس ؛ لذلك نجد القوانين الأنكلوسكسونية تخضع المتهم نفسه قبل الاستماع إليه إلى اليمين القانونية. وهو نوعان :

اعتراف قضائي، واعتراف غير قضائي ؛ والمعيار في التفرقة حسب أغلب الفقه كون الأول صادرا عن المتهم بجلسة الحكم في حين الثاني خارجها. ويميز أيضا ضمن الفقه بين كون الاعتراف سيد الأدلة، فلا أحسن من إدانة متهم وقد اعترف بما نسب إليه، فالمرء مأخوذ بأقواله ؛ وبين كونه، أي الاعتراف، لا يخلو من عوارض كخوف المتهم، أو تداخل عوامل سيكولوجية عموما تدفعه إلى إتيان اعترافات يجهل عواقبها، فالشخص المتزن الواعي لمصيره لا يعقل أن يعترف ليعرض نفسه للعقوبة، فالمتهم الواعي يعلم جزاء اعترافه ؛ لهذا من النادر أن يعترف متهم أنه ارتكب الفعل الجرمي المنسوب إليه. لذلك فمن الخطأ إدانة متهم لمجرد اعترافه دون اطمئنان إلى وسيلة أخرى، وبالتالي لم يعد سيد الأدلة وإنما وسيلة من وسائل الإثبات شأنها شأن باقي الأدلة.

وحتى يكون الاعتراف منتجا أجمع أغلب الفقه على تحقق بعض الشروط :

- اعتراف شخصي من المتهم.

- أن ينصب على أركان الجريمة، أي ركنيها المادي والمعنوي، وعلى الملابسات التي أحاطت باقترافها والتي تسهل تقدير المسؤولية عنها.

- أن يكون صادرا عن شخص يتمتع بقواه العقلية مدركا لما يقوله ويفعله.

- أن يصدر عن المتهم بمحض إرادته واختياره.

وانطلاقا من مقتضيات المادة 286 أعلاه، فالاعتراف يبقى خاضعا لسلطة المحكمة التقديرية غير المقيدة والتي لا تطالها رقابة محكمة القانون ؛ ومما جاء في قرار للمجلس الأعلى فـي هذا الصــدد

"لقضاة الموضوع كامل السلطة في تقدير قيمة الاعتراف الصادر عن المتهم" (قرار عـدد 313 بتاريخ 2-2-1979 ق.م.أ عدد 30 ص 146).

ولعل أهم ضمانة أحاط بها المشرع الاعتراف هي ضرورة صدوره عن إرادة حرة دون تعرض صاحبه إلى أي عنف أو إكراه ؛ إذ نصت المادة 293 على عدم الاعتداد مطلقا بكل اعتراف ثبت انتزاعه بالعنف والإكراه.

إذ هذا الاعتراف مثله مثل العدم، لأنه صادر عن إرادة معيبة ما كانت لتعبر عنه لو كانت في ظروف طبيعية، والدفع به متأت في كل مرحلة من مراحل المحاكمة ؛ ولقد اعتبر المجلس الأعلى في قراره عدد 631 الاعتراف الصادر تحت تأثير التعذيب منتجا فـي استبعاد المحضر (قرار بتاريـخ 24-12-1973 قضية عدد 31065 وقرار عدد 356 بتاريخ 3-6-1961).

فالمادة من خلال تأكيدها على هاته المقتضيات رتبت جزاء الانعدام على هذا النوع من الاعتراف من خلال عدم الاعتداد به مطلقا وعدم وجود أي مكنة لتصحيحه ؛ كما أن هذا الجزاء هو مسايرة للقواعد العامة التي تستبعد أي إقرار أو اعتراف ثبت انتزاعه خارج إطار الإرادة الحرة السليمة.

لقد كرست هذه المقتضيات أيضا ما أكدته المادة 10 من الدستور المغربي في منع التعذيب. كما سايرت ما سبق وأن التزمت به الدولة المغربية من خلال مصادقتها على اتفاقية مناهضة التعذيب.

كما أن المادة 293 أضافت أن مرتكب العنف أو الإكراه يتعرض إلى العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي ؛ ذلك أن غاية القوانين الزجرية القضاء أو على الأقل الحد من الجريمة لكن ليس باستعمال الجريمة نفسها للبحث عن جريمة أخرى، كما أن هاته المقتضيات جاءت لتكرس مقتضيات المادة الأولى من هذا القانون في اعتبار قرينة البراءة في أي مشتبه فيه.

لنصل إلى مقتضيات المادة 294 : "لا يمكن أن ينتج الدليل الكتابي من الرسائل المتبادلة بين المتهم ومحاميه".

فإذا كان للشخص حق الحصول على دفاع، فأحقية هذا الأخير في الدفاع عن موكله في ظروف عادلة يكون فيها للطرفين حرية تدبير الطريقة المثلى للوصول إلى النتيجة التي يتوخيانها من مرافعة الدفاع وعرض الأدلة أمام المحكمة ومن تم جاءت مقتضيات المادة 294 لتكرس سرية عمل الدفاع واستبعاد أي دليل قد يستشف من رسائل متبادلة بين المحامي وموكله (المتهم) في إطار الإثبات الكتابي ؛ وهكذا فلا يمكن اعتبار رسالة صادرة من المتهم لمحاميه يعترف فيها بجنحة الفساد أو الخيانة الزوجية بمثابة مكاتيب أو أوراق صادرة عن المتهم، لأن المشرع أخرجها أساسا من هذا الإطار؛ كذلك لا يمكن اعتبار رسالة أو أي ورقة صادرة عن المتهم بمثابة إقرار بدين مدني حتى ولو تضمنته، ذلك أن شكل الدليل المطلوب أفقده المشرع مفهوم الحجية المطلوبة.

نعتقد أن في ذلك نوعا من الحصانة والضمانة للدفاع للإقبال على مؤازرة المشتبه فيهم بكل حرية، وهو ضمانة للعدالة نفسها لأن المحامي كرجل قانون ستكون أمامه الحقيقة هي الغايـة الأساسيـة ولن يشجع منيبيه على إتيان تصريحات تخالفها بل سيشجعهم على احترام القانون. لكن لا نعتقد أن طرح أي دليل كتابي أمام القضاء ولو خرقا لمقتضيات المادة 294 أعلاه لن يمكن الغير من الاستفادة منه في ترتيب براءته ؛ إنما المقصود من المنع هنا ترتيب هذا الدليل كأدلة إدانة للمتهم نفسه من رسائل تبادلها مع دفاعه.

ثالثـا: شهـادة الشهـود

نصت المادة 296 : "تقام الحجة بشهادة الشهود وفقا لمقتضيات المادة 325 وما يليها إلى غاية المادة 346 من هذا القانون".

إذن ماذا عن استعمال شهادة الشهود كأدلة إثبات جنائية ؟

الإثبات بالشهود يبقى من الناحية العملية أحد أهم دلائل الإثبات شيوعا ؛ فالمتهم غالبا ما يحترز من أن يرتكب أي فعل بطريقة تصل إليها عيون الضابطة القضائية، ثم إن الحصول على الاعتراف لا يمكن أن يتم بسهولة ؛ والمجرم غالبا ما يخطط لفعله الإجرامي مما يجعل اعتماد وسائل إثبات مادية كوسائل لارتكاب الجرم أو آثار تشير إلى الفاعل تبقى أمورا جد صعبة. وبما أن الإنسان كائن اجتماعي ولا يعيش منفردا، ثم إن الجريمة بذاتها ناتجة عن علاقات اجتماعية وتنصب على مصالح خاصة وعامة، لذلك غالبا ما يكون لوقائعها شهود باعتبارهم إما ضحايا أو أشخاصا قدر لهم حضور أحداثها.

ومما سبق تبقى الشهادة، كأي دليل آخر خاضعة لتقدير القاضي المطلق له الأخذ بها من عدمه على أساس الضمانة الأساسية : تعليله للنتائج التي خلص إليها ومما جاء في قرار للمجلس الأعلى : "ما يتضمنه تصريح الشهود موكول إلى قناعة القاضي…" قرار عدد 401 (س 17) بتاريخ 1-7-1967 مجلة القضاء والقانون عدد 70-71 سنة 1967 ص 450.

كما أن لا ضير من الاستماع إلى الضحية نفسه كشاهد، شرط عدم تنصبه مطالبا بالحق المدني. ومما جاء في قرار للمجلس الأعلى في هذا الصدد "يمكن الإثبات الجنائي بشهادة للضحية" (قرار عدد 1890 بتاريخ 29-11-1982 ق.م.أ عدد 31 س 8 مارس 1988 ص 164).

والمحكمة مقيدة بعدم تحريف شهادة الشهود، إذ اعتبره المجلس خرقا للقانون يخوله إعمال مراقبته على القرار المطلوب نقضه ؛ ومما جاء في قرار للمجلس في هذا الصدد "…وحيث إنه إذا كان لقضاة الموضوع سلطة تقديرية فيما يعرض عليهم من وثائق وتصريحات فليس لهم تجنبا للتحريف أن يغيروا معناها، وإن تحريف تصريحات حاسمة ينزل منزلة انعدام التعليل" (قرار عدد 642 بتاريـخ 26-4-1973 ملف عدد 40480).

كما أن المجلس الأعلى ترك الحرية لقضاة الموضوع في اعتماد عدد الشهود الذين يقتنع بتصريحاتهم بل وحتى تجزئة تصريح الشاهد الواحد انطلاقا من اقتناعهم وتعليل هذا الاقتناع.

إذ جاء في القرار عدد 7452 : "حيث أن للمحكمة بناء على سلطتها التقديرية وقناعتها أن تأخذ ببعض الشهود في تكوين قناعتها دون بعض الآخر، ولا يحتاج الأمـر إلـى تعليل خاص لذلك" ملف 1/19783/86 قرار بتاريخ 12-11-1987.

وكذلك جاء في قرار آخر "الأمر يرجع إلى سلطة محكمة الموضوع التي لها أن تؤسس حكمها ولو على شاهد واحد" قرار عدد 590/3 بتاريخ 9-4-1996 ملف 18225/90.

رابعـا : الخبـــرة

نصت المادة 295 : "يجب على المحكمة التي تأمر بإجراءات الخبرة أن تراعي في ذلك مقتضيات المادتين 194 و195 والمادة 198 وما يليها إلى غاية 208 من هذا القانون".

لقد اعتبر أغلب الفقه أن الخبرة تشكل في وقتنا الحاضر أحد أهم وسائل الإثبات الأساسية لا بالنسبة للميدان الزجري فقط، بل حتى في الميدانين المدني والتجاري، باعتبار أن العلم أصبـح يلعب أدوارا أساسيـة، إذ لا يمكن للقاضي أن يملك كل المقدرات الفنية أو العلمية اللازمة لاستجلاء الغموض في وقائع معينة، من هنا جاءت المادة 295 لتؤكد على الإثبات بالخبرة.

فكمبدأ، الخبرة تبقى كأي دليل إثبات آخر لا تلزم القاضي وله أن يكون اقتناعه حسب ما يطمئن إليه ؛ إلا أنه من الناحية الواقعية يبقى من الصعب على القاضي تعليل حكمه اعتبارا لكونه سيستبعد حقائق علمية أو على الأقل مبنية على منطق تحليلي ؛ فالسبيل الوحيد أمامه إجراء خبرة مضادة لتسليط الضوء على الجوانب التي ظهر له أنها غامضة في الخبرة الأولى ؛ وبهذا المعنى صدر قرار عن المجلس الأعلى بتاريخ 20-9-1995 تحت عدد 1520/5 ملف عدد 1445/93 جاء فيه : "إذا لم يكن هناك تنافر بين تكليف خبير بإنجاز خبرة وبين عدم إلزامية ما انتهى إليه للهيئة، فإن تصدي هذه الأخيرة تلقائيا لتحقيق الخطوط واستنتاج زورية توقيع الشيك من مجرد توقيع العارض ومقارنته مع توقيعه لدى المؤسسة البنكية يجعل أساس القرار مبهما الذي يعتبر نقصانا في التعليل الموازي لانعدامه ويرتب النقض". كما أنه وانطلاقا من مقتضيات المادة 288 فتطبيق مقتضيات المادة 66 من قانون المسطرة المدنية[4] يلزم المحكمة الزجرية بالتعامل مع رأي الخبير ولا يمكن له مخالفته إلا بالأمر بخبرة مضادة.

كما أن المجلس الأعلى في قراره عدد715 المؤرخ في 13-7-2000 ق.م.أ عدد 57 و58 السنة 23 أعطى لتقرير الخبرة قوة ثبوتية قوية، إذ جاء فيه "إن تقرير حالة المتهم العقلية مسألة تقنية يعود لذوي الاختصاص أمر البت أو الحسم فيها. إذا كان المتهم يتوفر على خبرة قضائية تثبت خللا في قواه العقلية ومنجزة من طرف خبير مختص بأمر من المحكمة، فإنه يجب على هذه الأخيرة التقيد بما جاء في الخبرة ولا يحق لها وبما تملك من سلطة تقدير أو بما تستخلصه من مجرد المعاينة أن تستبعد نتيجة الخبرة بدعوى أنها لا تتوفر على الحجية المطلقة أو سلمت على سبيل المجاملة أو أن المتهم كان منضبطا في تصريحاته أو أجوبته".

منقول
Mr.A-OUEDGHIRI

ذكر الجدي الحصان
مشآرڪآتي : 1497
عُمرِـے• : 27
نِقاطے• : 5463
تاريخ التسجيل : 27/12/2008
http://www.ffesj.forumaroc.net

رد: وسائل الاثباث في القانون المغربي.

في الجمعة 10 سبتمبر - 1:52
موضوع ممتاز واصل اخي

_________________________________________
الادارة العامة للمنتديات
avatar
noouh

ذكر القوس الحصان
مشآرڪآتي : 19
عُمرِـے• : 39
نِقاطے• : 2820
تاريخ التسجيل : 21/09/2010
http://www.multimania.com/masslouhi

رد: وسائل الاثباث في القانون المغربي.

في الأحد 26 سبتمبر - 17:30
شكرا لك اخي
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى